كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
لسنا في زمنٍ يلتبس فيه تعرّي الجسد بتعرّي القيم صدفة، بل في زمنٍ اختار أن يرى ما يثيره فقط، وأن يُدير ظهره لما يهدّد إنسانيته في العمق.
فالجسد، مهما كُشف، يبقى جسدًا، محدودًا في حضوره وتأثيره.
أمّا حين يتعرّى العدل، ويتهاوى الصدق، وتُفرَّغ القيم من معناها، فذلك هو الانكشاف الحقيقي الذي لا يُحدث ضجيجًا، ولا يستدعي محاسبة.
تتعرّى امرأة، فيتوقّف الزمن.
تُستنفَر الأخلاق فجأة، وتُفتح محاكم الرأي العام بلا تروٍّ ولا سياق.
يُحاكم الجسد لأنه مرئيّ، وتُغفل الوقائع لأنها موجعة، معقّدة، وتتطلّب شجاعة.
يُختصر النقاش في صورة، ويُختزل الوجع الإنساني في مشهدٍ واحد، كأن كل ما عداه لا يستحق النظر.
في المقابل، يتعرّى العدل كل يوم، بصمتٍ كامل.
تُهان الكرامة علنًا، وتُصادَر الحقوق دون حرج، ويُستبدَل الصدق بالمصلحة، ويُدرَّب الضمير على التعايش مع الخطأ.
لا أحد يتوقّف، لا أحد يحتج، لأن هذا النوع من التعري صار مألوفًا، مبرَّرًا، ومغلفًا بلغة الضرورة والواقعية.
لقد اعتدنا هذا السقوط البطيء.
اعتدنا الظلم حين لا يطالنا مباشرة،
والكذب حين يؤمّن لنا النجاة،
والصمت حين يصبح الكلام عبئًا.
حتى الفرح، صار موضع شك، كأن الحياة نفسها تحتاج إلى إذن.
في هذا المشهد المربك، صار كل شيء سريعًا وسهلًا:
القضايا الكبرى تُختصر،
المآسي تُستهلك،
والإنسان يُدار كخبرٍ عابر.
وحده جسد امرأة ما زال قادرًا على تعطيل هذا التسارع، لا لأنه أخطر، بل لأنه الأسهل إدانة.
لسنا أمام دفاع عن تعرّي الجسد،
ولا أمام تبرير لأي شكل من أشكاله،
بل أمام سؤالٍ أخلاقيّ صريح:
لماذا نغضب مما نراه، ونتصالح مع ما يهدمنا؟
ولماذا نُدين الصورة، ونتعايش مع سقوط القيم؟
ربما لأن تعرّي القيم لا يحدث فجأة،
بل يتسلّل ببطء،
تحت عناوين كبيرة،
وبموافقة صامتة من الجميع.
وحين نكتشف الحقيقة،
يكون الأوان قد فات،
ونكون قد تعرّينا جميعًا…
لا من الثياب،
بل من الإنسانيّة.






