كتب مروان هندي
تتداعى المعطيات الإقليمية لتضع الساحة اللبنانية في عين عاصفة التوازنات الجديدة؛ حيث لم تعد سياسة أنقرة تكتفي بالرقابة من الخلف، بل باتت تخترق العمق اللبناني مستندة إلى نفوذ متمدد في دمشق واشتباك استراتيجي محتدم مع منظور تل أبيب ومحاور الطاقة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تُلقي التحفظات التركية حيال الانحيازات اللبنانية بظلالها باعتبارها عنصراً يستدعي الانتباه في معادلة النفوذ.
وهذا يرتكز على النقاط التالية:
١) لدى تركيا تحفظات من سياسة لبنان و"انحيازاته" الإقليمية، إن لجهة اتفاقية الترسيم البحري الذي وقعها مع قبرص وما أثارته من استياء تركي وانزعاج لعدم مراعاته القبارصة الأتراك، أو لجهة "اتفاق الإطار" الذي وقعه مع دولة إسرائيل.
٢) هناك تنافس بين تركيا والمملكة العربية السعودية على الزعامة السنيّة في العالم الإسلامي وعلى النفوذ الإقليمي رغم بعض التقاطعات الظرفية، ولبنان الذي يعطي أولوية العلاقة مع المملكة يجد نفسه مضطراً لأخذ العامل التركي المستجد بعين الاعتبار، بحكم السلطة الجديدة في سوريا التي تتحرك بشكل رئيسي من وحي السياسة التركية.
٣) لم تعد تركيا تخفي أهدافها لتوسيع نفوذها في المنطقة وصولاً إلى لبنان الذي أقامت فيه موطئ قدم، وتحديداً في الشمال (عكار - طرابلس) وترسّخ نفوذها عبر دمشق وتحت عناوين دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية... وكان الرئيس أردوغان أعلن في أكثر من مناسبة أن أمن تركيا يرتبط أيضاً باستقرار لبنان، ما يعكس تحولاً في النظرة التركية إلى المنطقة، وتسعى أنقرة إلى توسيع حضورها في لبنان بعد سنوات كان دورها فيها محدوداً، إذ إن تركيا باتت صاحبة نفوذ كبير في دمشق. وهذا يمنحها قدرة على التأثير في ملفات تهم لبنان، مثل ضبط الحدود، وعودة النازحين السوريين، وإعادة تنظيم العلاقات اللبنانية - السورية.
٤) التنافس الإقليمي على مشاريع الطاقة بين المحور الذي يضم قبرص واليونان ومصر وإسرائيل والمحور التركي الساعي لتكريس نفسه ممراً للطاقة إلى أوروبا.
٥) صراع محاور ونفوذ متصاعد ومتضارب بين إسرائيل وتركيا على ساحة المشرق العربي (سوريا ولبنان)، حيث تنظر تركيا إلى نفسها كهدف إسرائيلي تالي، وتخوض مساعي للتقارب الإقليمي مع بعض الدول العربية وتشكيل تحالفات للتصدي للتمدد الإسرائيلي المحتمل الذي تمثل سوريا عمقه الاستراتيجي.
٦) تتحرك أنقرة بحذر ومراعاة تامة للخطوط الحمراء الأمريكية والغربية، فهي تتبع سياسات متناقضة؛ إذ تخاطب الغرب بلغة الدبلوماسية والمصالح، بينما تمارس على الأرض سياسات مغايرة تتوافق ومقتضيات الشرق، ضابطةً إيقاع تمددها بما يضمن عدم تجاوز المظلة الغربية.
لذلك وعلى وقع ضمور المحور الإيراني، يحتدم الصراع على وراثة نفوذه؛ إذ تسعى تركيا لاحتواء أذرع طهران كمنطقة عازلة تشغل إسرائيل، متجنبة إنهاء هذا المحور بالكامل، خلافاً للتقاطع بين المصلحة اللبنانية والإسرائيلية في استئصال محور الممانعة الذي عاث خراباً في لبنان والمنطقة. إنها معركة تضع بيروت في مهب التوازنات، فإما وعي سيادي، أو الوقوع في فخ التغلغل الناعم.






