إذا كان آب اللهاب في لبنان إنسحب على الأسعار والفواتير “النار” لا على المناخ الطبيعي، فإن التوقعات تشير الى إستمرار لهيب الأسعار طالما كل العوامل لا تزال مجتمعة لإستنزاف الجيوب.
وإذا كان المثل الشعبي يقول “رضينا بالهَم والهَم ما رضي فينا”، فإن اللبناني وقبل الحرب الأخيرة في المنطقة كان رضي بالغلاء الناتج عن عوامل داخلية، غير أن الغلاء لم يرض بهذا السقف وأبى إلا أن يصبح أكثر وطأة بفعل العوامل الخارجية الناجمة عن الحرب، وكأن الكون برمته صار متواطئاً على اللبنانيين وكلفة معيشتهم.
الباحث والكاتب محمد شمس الدين قال في حديث الى “Bird Eye News” إن “كلفة المعيشة إرتفعت بنسبة 33 بالمئة منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية آب، وبالتالي الكلفة الأدنى للمعيشة لأسرة متقشفة جداً من أربعة أفراد إرتفعت من 900 دولار في بداية العام الى 1200 دولار اليوم”، مضيفاً إن “هذه الكلفة تشمل السكن والكهرباء والمياه والنقل والإتصالات وصيانة المنزل وغير ذلك وهي مرشحة لمزيد من الإرتفاع”.
ولفت شمس الدين الى أن “المعطيات المحلية والدولية تعكس اتجاه الأسعار الى الإرتفاع كنتيجة طبيعة لإرتفاع أسعار النفط والمواد الأولية وبالتالي إرتفاع كلفة إنتاج السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية”، مضيفاً إنه “في لبنان ترتفع الأسعار والأكلاف اكثر بسبب الإحتكار وغياب المنافسة ولأن النقل العام غير متوافر، ما يرفع كلفة النقل، فضلاً عن أن غياب الكهرباء يرفع كلفة الإنتاج محلياً في حين أنه في دول العالم او معظمها لم ترتفع أسعار الكهرباء او ربما إرتفعت بنسبة بسيطة بعكس لبنان حيث إرتفعت كلفة المولدات الخاصة”.
مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق والخبير الإقتصادي الدكتور باتريك مارديني أكد بدوره ل “Bird Eye News” أن “حجم التضخم مرتفع في لبنان وفي العام 2025 بلغت نسبته 14.6 بالمئة ويتوقع في العام 2026 أن تكون 15.7 بالمئة، أي بزيادة 1 بالمئة”.
وأضاف:”يُفضّل أن يكون التضخم أقل من ذلك بكثير مع إستقرار في الأسعار، مع العلم أنه مقارنة مع السنوات الماضية، سجّل التضخم في العام 2024 ما نسبته 45 بالمئة و171 بالمئة في العام 2023، وكان السبب داخلياً طيلة تلك السنوات ويتعلق بطباعة الليرة بشكل كبير ما أدى الى إنهيار العملة الوطنية. أما حالياً، فالجزء الأكبر من عوامل إرتفاع الأسعار هي خارجية بسبب الحرب ونزاع مضيق هرمز والتأثير على سلسلة الإمدادات، وبالتالي التضخم هذا العام في لبنان مرتبط جداً بإرتفاع أسعار النفط العالمية وكلفة النقل البحري والتأمين، وتأثير مادتي البنزين والمازوت على حياة اللبنانيين اليومية في بلد يستورد الجزء الأكبر من حاجاته. وداخلياً، لا ننسى قرار الحكومة بزيادة الضريبة على أكثر مادة تمسّ المواطنين وهي البنزين، الأمر الذي ساهم بدوره في الغلاء”.
وعما إذا كان من الممكن ضبط الغلاء في لبنان، قال د. مارديني إن “هذا الأمر ممكن الى حدّ ما لكي يظل التضخم بالنسب الحالية من دون العودة الى النسب القديمة، وتحقيق ذلك يكون بعدم زيادة الرواتب، لأن أي زيادة ستؤدي الى رفع الأسعار لتغطيتها، فندخل في حلقة مفرغة من التضخم وزيادة الرواتب بإعتبار أن زيادة الرواتب سوف تغذي التضخم، وهذا ما تخشاه كل الدول التي تمر في أزمات مماثلة”.
وعمّا يجب أن تفعله الدولة غير عدم زيادة الأجور، قال مارديني إن “عليها التخفيف من خنق الناس بالضرائب، وبدلاً من رفع الضرائب لدفع الرواتب لجيش من الموظفين، يجب القيام بإعادة هيكلة القطاع العام وتحريره من الموظفين غير المنتجين”، مضيفاً إن “النمو الإقتصادي يبقى الطريقة الأمثل للتخفيف من وطأة التضخم لأن الحركة الإقتصادية ونشاط الشركات يجعلان المداخيل تزيد وتصبح أعلى من نسب التضخم”.
في الخلاصة، صحيح أن الوجع المعيشي يوحّد اليوم اللبنانيين على إختلاف إنتماءاتهم وطوائفهم، لكنه لن يقودهم كما يبدو الى ثورة عنوانها الإنسان ولقمة العيش أولاً، ما يعني أن اللبناني سيظل يتألم ويصرخ من الألم لكن من دون تحرك إجتماعي عارم يهز الضمائر كما العروش..
بولين فاضل - Bird Eye News






