كتبت د. زينة منصور:
لم تعد قضية السويداء مجرد أزمة أمنية، بل أصبحت اختباراً لمفاهيم سياسية وقانونية وإنسانية تقوم عليها الدولة الحديثة: حق الجماعات في البقاء والأمن، وحماية الهوية والحقوق المتساوية، والمشاركة في القرار السياسي وتقرير المستقبل.
ومن زاوية علمية، فإن بقاء أي جماعة لا يرتبط بقدرتها العسكرية فقط، بل بقدرتها على حماية بقائها الحقوقي والديموغرافي والثقافي والسياسي والاقتصادي، وتأمين شروط الحياة الطبيعية لأفرادها. وعندما تصبح جماعة مهددة بالخطف أو التهجير أو الحصار، تتحول مسألة البقاء من خيار سياسي إلى حق أساسي سابق على أي تسوية.
فلسفة البقاء والهوية والدور
البقاء ليس مجرد استمرار مادي للأفراد، بل استمرار الشعب بوصفه مجتمعاً له ذاكرة وهوية وحقوق ودور ومؤسسات. لذلك فإن حماية الدروز والمسيحيين في السويداء لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حماية دينية، بل حماية لمجتمعات مدنية لها الحق في الأمن والهوية والبقاء والمشاركة في تقرير مستقبلها.
فالإنسان لا يعيش منفصلاً عن المكان الذي يشكل ذاكرته وهويته وانتماءه الاجتماعي والتاريخي. وعندما يُدفع السكان إلى مغادرة أرضهم بسبب الخوف أو العنف أو التجريد من الحقوق، تتحول القضية من حركة سكانية إلى اقتلاع للجذور والهوية وتغيير قسري للتركيبة الاجتماعية وإنهاء للبقاء.
من هنا، يصبح منع التهجير وحماية السكان في أرضهم جزءاً أساسياً من أي مقاربة سياسية للسويداء.
ثابتة الحقوق قبل ثابتة القوة
وفق منهج العلوم السياسية، لا يمكن بناء شرعية سياسية مستدامة على القوة وحدها. فالشرعية تقوم على توفير الأمن، والاعتراف بحقوق المواطنين، ووجود مؤسسات تسمح بالمشاركة والمساءلة.
لذلك فإن رفع الحصار عن السويداء، وفتح الممرات الإنسانية، وتأمين الغذاء والدواء، وحماية المدنيين، يجب أن تكون خطوات أولى، تليها عملية سياسية تبحث في مستقبل موقعها وتموضعها بعيداً عن الإكراه.
فالحق في الأمن لا يتناقض مع الحق في تقرير المصير، كما أن المطالبة بالحقوق وصون الهوية لا تعني الدعوة إلى الصراع.
من الأمن إلى تقرير المصير
إذا أثبت النظام السياسي القائم عجزه عن توفير الحد الأدنى من الأمن والحقوق، يصبح من المشروع سياسياً بحث صيغ بديلة: الفيدرالية، الكونفيدرالية، الحكم الذاتي، والضمانات الدولية، أو أي صيغة أخرى يختارها السكان بحرية.
وفي هذا الإطار يمكن بحث مشروع «دولة الباشان» بوصفه طرحاً سياسياً يحتاج إلى دراسة شعبية وتاريخية وقانونية دولية، لا باعتباره نتيجة للحرب أو وسيلة لفرض أمر واقع، خصوصاً ان دولة جبل الدروز هي استحقاق تاريخي تموضع عملياً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى بين عامي 2021-2035.
ويجب أن يكون المعيار الأساسي هو الإرادة الحرة للسكان، وحماية جميع المكونات، ورفض التهجير والإكراه، وإقامة علاقة سلمية مع المحيط.
مسؤولية العالم الحر
إن المجتمع الدولي لا يستطيع مطالبة الدروز والمسيحيين في سوريا بالبقاء في أرضهم ثم تركهم من دون أمن وحماية ميدانية واقتصادية. المطلوب آلية دولية تضمن وقف العنف بجميع أشكاله السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي، وإيصال المساعدات، ومراقبة الانتهاكات، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي جدي وعادل.
إن مستقبل السويداء يجب ألا يُقرر بالسلاح أو الحصار أو الخوف، بل عبر الإرادة الشعبية والشرعية السياسية والضمانات القانونية.
مفهوم البقاء يبدأ بحق الإنسان في ألا يُقتلع من أرضه، وفلسفة الحقوق تبدأ بحماية كرامته وأمنه ومشاركته وحريته. أما السياسة الواقعية، فتبدأ بالاعتراف بأن الشعوب التي تشعر بأن وجودها مهدد ستبحث عن صيغة سياسية تضمن بقاءها ودورها.
ومن هنا، فإن حماية السويداء ليست مشروعاً ضد سوريا أو أي شعب آخر، بل دعوة إلى مستقبل يقوم على الأمن والحرية والحقوق والبقاء والتعايش، وحق كل جماعة في أن تكون شريكاً في صناعة القرار ومستقبلها.
وإذا اختار أبناء الباشان من الدروز والمسيحيين، عبر الوسائل الديمقراطية والقانونية، الإنتقال إلى صيغة سياسية جديدة، فإن واجب العالم الحر ليس فرض النتيجة عليهم أو منعها، بل ضمان أن يكون القرار حراً وسلمياً وديمقراطياً، وأن تُصان حقوق جميع السكان.
فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بإلغاء الهوية او تذويبها، والوحدة لا تُفرض بالقوة، والسلام لا يعني استسلام طرف لطرف.
إن فلسفة البقاء تبدأ بالأمن، وفلسفة الحقوق تؤسس للحرية، وفلسفة السياسة تؤكد أن الشرعية المستدامة لا تُنتجها القوة وحدها، بل الإرادة الشعبية والمؤسسات والقدرة على ضمان أمن الإنسان وحقوقه وهويته وكرامته ومستقبله.






