كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
لا يمكن أن نبني دولة فوق أنقاض دولة، ولا أن نطالب المواطن باحترام مؤسسات فقدت هيبتها، أو بتطبيق قوانين لا تُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه. المشكلة اللبنانية ليست فقط في نقص القوانين، فلدينا قوانين كثيرة. وليست فقط في نقص الموظفين أو الإمكانات. المشكلة في مكان أعمق: في تراجع سلطة الدولة لمصلحة منظومات سياسية وطائفية ومالية وأمنية ومصلحية أصبحت، في ملفات كثيرة، أقوى من الدولة نفسها. لقد وصلنا إلى وضع يمكن اختصاره بجملة مؤلمة: نحن نعيش في دولة، بينما تعيش المزرعة داخل الدولة. والدولة التي تسمح بقيام المزرعة إلى جانبها، ثم تعجز عن ضبطها، تتحول تدريجيًا من دولة حاكمة إلى دولة متفرجة.
أولًا: عندما تفقد الدولة قرارها
حين يدخل السفير الإيراني في تفاصيل سياسية أو سيادية لبنانية، أو يتحول وجود سفراء الدول الأخرى إلى جزء من إدارة الملفات الداخلية، فإن السؤال ليس عن السفير وحده، بل عن قدرة الدولة اللبنانية على إدارة شؤونها بنفسها.وحين يصبح الوزير أو المسؤول الرسمي طرفًا في مواجهة علنية مع سفير دولة أخرى، بدل أن تكون العلاقات الخارجية محكومة بالمؤسسات والأصول الدبلوماسية، فهذا يعكس أزمة أعمق: أزمة في كيفية ممارسة الدولة لسيادتها. الدولة القوية لا تحتاج إلى الصراخ لإثبات قوتها. يكفي أن يكون قرارها واضحًا، ومؤسساتها موحدة، وقانونها نافذًا.
ثانيًا: دولة عاجزة ماليًا ولكنها محاصرة بالمصالح
كيف يمكن لدولة أن تكون عاجزة عن تأمين رواتب موظفي القطاع العام بصورة مستقرة، ثم نجد أمامنا منظومات اقتصادية كاملة تتحرك خارج قدرة الدولة على التنظيم والرقابة؟ كارتيل النفط، وشبكة المولدات، وسواهما من القطاعات التي يدفع المواطن ثمن اضطرابها.
المواطن يدفع الضرائب، ويدفع فاتورة الدولة، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويدفع للمولد، ويدفع ثمن ارتفاع المحروقات، وفي النهاية يُقال له إن الدولة لا تملك الإمكانات. لكن أين تذهب مسؤولية الدولة عن تنظيم السوق وحماية المواطن؟ وحتى داخل مؤسسات الدولة، كيف يمكن أن تطلب من المواطن دفع مستحقاته، فيما تتأخر بعض الوزارات والمؤسسات العامة في تسديد ما يتوجب عليها لـ«كهرباء لبنان»؟ لا يمكن أن تطلب الدولة من المواطن احترام النظام إذا كانت مؤسساتها لا تلتزم بالنظام نفسه.
ثالثًا: عندما يصبح القانون انتقائيًا
قانون السير مثال بسيط لكنه شديد الدلالة. المواطن الذي يقود سيارته على الطريق يريد أن يرى شرطيًا يحميه وينظم السير، لا أن يرى وجود القوى الأمنية مرتبطًا بمرور مسؤول. لماذا تمتلئ الطرقات بالعناصر الأمنية عندما يمر مسؤول، بينما قد لا نجد شرطي سير عندما يحتاج المواطن إلى الحماية؟ الدولة الحقيقية لا تحمي المسؤول أكثر من المواطن. الدولة الحقيقية تقول إن الطريق العام ملك للجميع، وإن القانون يطبَّق على الجميع. والأمر نفسه ينطبق على رخص الزجاج القاتم، والمخالفات البحرية، والتعديات على الأملاك العامة والخاصة، وسائر المخالفات. إذا كان تطبيق القانون مرتبطًا باسم المخالف أو بموقعه السياسي، فنحن لا نملك دولة قانون، بل نملك قانونًا يُطبَّق بحسب ميزان القوة.
رابعًا: الأمن ليس امتيازًا
المخدرات، والسلاح المتفلت، والجريمة، وغياب الرقابة، كلها ليست قضايا أمنية منفصلة. إنها في جوهرها سؤال واحد: من يملك حق استخدام القوة في الدولة؟ لا يمكن أن توجد دولتان في بلد واحد: دولة تملك مؤسسات أمنية رسمية، وقوى أخرى تملك السلاح أو القدرة على فرض الأمر الواقع. ولا يمكن أن تكون المفاوضات مقبولة عندما تخدم مصالح طرف، ومرفوضة عندما تتعارض مع مصالحه. الدولة تفاوض، الدولة تحاور، الدولة تقرر، والدولة وحدها تملك حق إنفاذ القانون. هذه ليست مسألة موقف سياسي. إنها قاعدة أساسية لأي دولة حديثة.
خامسًا: الفساد عندما يتحول إلى مهنة
الفساد الفردي يمكن ملاحقته. أما الأخطر فهو الفساد المهني والممنهج: عندما تصبح الواسطة طريقة للتوظيف، والمحسوبية طريقة لتولي المسؤوليات، والانتماء السياسي أو الطائفي طريقًا إلى الوظيفة العامة. عندها لا يعود السؤال: من هو الأكفأ؟ بل يصبح: من يعرف من؟ وهنا تنهار الإدارة. فالمؤسسة التي يترقى فيها الشخص بسبب علاقاته، لا بسبب كفاءته، ستنتج إدارة ضعيفة، حتى لو كان موظفوها شرفاء. الدولة لا تُبنى بالأشخاص الموالين، بل بالمؤسسات والكفاءات.
سادسًا: العسكري الذي يحتاج إلى عمل إضافي
عندما يضطر العسكري، الذي نطلب منه أن يحمي الناس والدولة، إلى البحث عن عمل إضافي حتى يؤمّن احتياجات عائلته، فهذه ليست مشكلة العسكري. إنها مشكلة الدولة. فالذي نطلب منه أن يواجه الجريمة ويحمي الحدود ويحفظ الأمن يجب أن يكون قادرًا على تأمين حياة كريمة لعائلته. لا يجوز أن يصبح ضعف الدولة المالية سببًا في إضعاف المؤسسة الأمنية نفسها.
سابعًا: الطبابة… دولة واحدة أم دولتان؟
في لبنان يستطيع البعض الدخول إلى أفضل المستشفيات والحصول على أفضل الخدمات الطبية، بينما قد يعجز مواطن آخر عن تأمين علاج أساسي. الفارق الشاسع في القدرة على الاستشفاء ليس مجرد مشكلة اجتماعية. إنه سؤال عن العدالة. فالدولة ليست موجودة فقط لتأمين الأمن، وإنما أيضًا لتضمن حدًا أدنى من الكرامة الإنسانية لكل مواطن.
ثامنًا: العفو العام والرسالة التي تصل إلى المجتمع
عندما يصدر قانون عفو عام أو تخفيض للعقوبات، ثم تقع بعد فترة قصيرة جرائم خطيرة، يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن فلسفة السياسة الجزائية للدولة. لا يجوز أن يكون التشريع الجزائي نتيجة ظرف سياسي آني. القانون يجب أن يحمي المجتمع، ويحقق العدالة، ويعطي فرصة للإصلاح، لكن من دون أن يتحول إلى رسالة بأن الجريمة يمكن أن تُمحى بقرار سياسي. والضحايا الذين يسقطون بسبب الجريمة لا يمكن أن يكونوا هامشًا في أي نقاش سياسي.
تاسعًا: الإعلام بين الحرية والمسؤولية
حرية الإعلام مقدسة في أي نظام ديمقراطي. لكن الحرية لا تعني الفوضى. عندما يتحول الإعلام إلى تشهير، أو تحريض، أو نشر أخبار غير موثقة، أو تصفية حسابات، تصبح الدولة أمام مسؤولية مزدوجة: حماية حرية التعبير، وفي الوقت نفسه حماية حقوق الناس والقانون.
الدولة لا تحمي نفسها بإسكات الإعلام، ولا يحمي الإعلام نفسه بإلغاء مسؤولية الكلمة. المطلوب هو القانون.
عاشرًا: قانون العمل ليس وجهة نظر
إذا كان القانون يمنع تشغيل الأجانب في مهن أو ظروف معينة من دون مسوغ قانوني، فعلى الدولة أن تطبق القانون. ليس من العدل أن تطلب من صاحب العمل اللبناني الالتزام بكل الشروط، ثم تسمح بتجاوزها في أماكن أخرى. القانون يجب أن يكون واحدًا. لا مواطن درجة أولى، ولا عامل درجة أولى، ولا صاحب نفوذ فوق القانون.
حادي عشر: حتى جواز السفر يصبح اختبارًا للدولة
قد يبدو الأمر تفصيلًا صغيرًا، لكن جواز السفر يكشف الكثير. عندما يحتاج المواطن إلى وقت طويل للحصول على وثيقة يفترض أن تكون من أبسط الخدمات الإدارية، فإن المشكلة ليست في الجواز نفسه. المشكلة في الإدارة. الدولة الحديثة تقاس أيضًا بسرعة إنجاز معاملاتها، وبقدرتها على استخدام التكنولوجيا، وباحترامها لوقت المواطن. وقت المواطن جزء من كرامته.
ثاني عشر: الطائفية والانقسام
لا يمكن بناء دولة حقيقية إذا كان اللبناني يشعر أن حقوقه تمر أولًا عبر طائفته. عندما يصبح الانتماء الطائفي مفتاحًا للوظيفة أو النفوذ أو الخدمات أو الحماية السياسية، تتراجع المواطنة. والأخطر أن اللبنانيين بدأوا ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم جماعات متنافسة، بدل أن يكونوا مواطنين في دولة واحدة. نحن لا نحتاج إلى إلغاء تنوع لبنان. نحتاج إلى أن تصبح المواطنة فوق الطائفة.
ثالث عشر: البحر ليس خارج سلطة الدولة
المخالفات البحرية والتعديات على الأملاك العامة ليست مجرد مخالفات بناء. إنها اختبار لسلطة الدولة. وعندما يعجز جهاز الدولة عن إزالة مخالفة لأن صاحبها محمي سياسيًا، أو لأن المخالف نفسه يملك نفوذًا داخل السلطة، تصبح الرسالة واضحة:
هناك أشخاص يستطيعون مخالفة الدولة لأنهم أقرب إلى السلطة من القانون. وهنا تحديدًا تنهار هيبة الدولة. وبعد أن نعرف ما الذي يهدم الدولة… كيف نبنيها؟ البناء لا يبدأ بخطاب جميل. يبدأ بإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة.
نحتاج إلى دولة: قرارها واحد. سلاحها واحد. قانونها واحد. قضاؤها مستقل. إدارتها كفوءة. مالها العام شفاف. وظائفها على أساس الكفاءة. حدودها مضبوطة. أسواقها منظمة. أمنها يحمي المواطن قبل المسؤول. وحقوقها لا تتغير بحسب الطائفة أو الحزب أو الواسطة. نحتاج إلى دولة لا تتعامل مع المواطن باعتباره تابعًا لزعيم، بل باعتباره صاحب حق. نحتاج إلى إصلاح الإدارة على أساس الكفاءة، وإلى رقابة فعلية على المال العام، وإلى قضاء قادر على محاسبة الفاسد مهما كان موقعه، وإلى تطبيق متساوٍ للقانون، وإلى حماية فعلية للطبقات الأكثر ضعفًا. ونحتاج قبل كل شيء إلى تغيير الثقافة السياسية نفسها.
فالدولة لا تُبنى فقط بالقوانين. الدولة تُبنى عندما يتوقف المواطن عن البحث عن واسطة للحصول على حقه، ويتوقف المسؤول عن اعتبار الدولة ملكًا لفريقه، ويتوقف السياسي عن التعامل مع مؤسساتها باعتبارها أدوات لخدمة نفوذه. عندها فقط يمكن أن ننتقل من السؤال: كيف نعيش داخل الدولة؟ إلى السؤال الحقيقي: كيف نجعل الدولة تعيش فينا؟ لأن لبنان لا يحتاج إلى دولة جديدة على الورق. لبنان يحتاج إلى أن يستعيد الدولة التي تآكلت بين الطائفية والفساد والمحسوبيات والكارتيلات والسلاح المتفلت وضعف الإدارة وتراجع هيبة القانون. وقبل أن نبني الدولة، علينا أن نوقف هدمها. فلا يمكن أن نبني دولة فوق مزرعة، ولا أن نطلب من المواطن أن يؤمن بالدولة فيما يرى كل يوم أن القانون لا يزال يبحث عمّن يطبقه.






