كتب المحامي ميشال فلاّح:
ليس المطلوب في الأول من آب أن تُلقى الخطب التقليدية في مديح الجيش اللبناني، فهذه المؤسسة لا تحتاج إلى المبالغات بقدر ما تحتاج إلى دولة تؤمن بدورها، وتمنحها ما تستحقه من ثقة وصلاحيات ودعم. فالجيش لم يثبت نفسه بالكلمات، بل بدماء ضباطه وعسكرييه في معارك صنعت جزءاً مهماً من تاريخ لبنان الحديث.
من نهر البارد إلى "فجر الجرود"، ومن حماية الأمن الداخلي في أصعب الظروف إلى الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية وسط انهيار غير مسبوق أصاب مؤسسات الدولة، أثبت الجيش أنه ليس مجرد جهاز أمني، بل أحد آخر أعمدة الدولة اللبنانية. ولذلك بقيت المؤسسة التي تحظى بأعلى مستويات الثقة لدى اللبنانيين، في وقت تراجعت فيه ثقة المواطنين بمعظم السلطات السياسية والإدارية.
لكن هذه الثقة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتحميل الجيش أعباء فشل السياسة، ولا إلى وسيلة لتعويض عجز النظام عن إنتاج الحلول. فالجيش وُجد ليحمي الدولة، لا ليحل مكانها. ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فعلى امتداد العقود الماضية، كثيراً ما وجد الجيش نفسه مقيداً بحسابات القوى السياسية، يتحرك عندما يُسمح له، ويتوقف عندما تتعارض مهماته مع توازنات الداخل. وفي دولة القانون، لا يجوز أن تكون المؤسسة العسكرية أسيرة الفيتوهات السياسية أو الحسابات الطائفية، بل ينبغي أن يكون مرجعها الوحيد الدستور والقوانين المرعية الإجراء والسلطات الدستورية المختصة.
إن دعم الجيش لا يكون بمنحه صلاحيات استثنائية خارج القانون، بل بتمكينه من ممارسة صلاحياته القانونية كاملة، ومنع أي تدخل سياسي في قراراته المهنية أو في طبيعة المهمات الموكلة إليه. فالدولة التي تثق بجيشها لا تخشى من إعطائه الغطاء القانوني لتنفيذ واجباته، ولا تتركه وحيداً في مواجهة الاستحقاقات الأمنية والسيادية.
وفي المقابل، لا يقل أهمية عن ذلك ضرورة تحييد قيادة الجيش عن التجاذبات السياسية، وفي مقدمتها الاستحقاق الرئاسي.
لقد تحوّل قائد الجيش، منذ اتفاق الطائف، إلى مرشح دائم لرئاسة الجمهورية كلما عجزت القوى السياسية عن التوافق. وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، تكريساً للثقة بالمؤسسة العسكرية، لكنه في الواقع يحمّلها ما لا ينبغي أن تتحمله، ويُدخل قائدها، شاء أم أبى، في حسابات السياسة والتحالفات والاستقطابات.
وهذا الواقع لا يخدم الجيش، بل يضر به. فالمؤسسة العسكرية تحتاج إلى قيادة يُنظر إليها باعتبارها المرجعية الوطنية العليا في الشأن العسكري، لا باعتبارها محطة عبور نحو قصر بعبدا. كما أن قائد الجيش يجب أن يبقى قائداً للجيش، لا مرشحاً محتملاً للرئاسة مع كل استحقاق دستوري، لأن مجرد تداول اسمه في البازار السياسي يضع المؤسسة، ولو معنوياً، في قلب الانقسامات التي يفترض بها أن تبقى فوقها.
إن حماية الجيش تقتضي، في المستقبل، إعادة الاعتبار للفلسفة التي قام عليها النص الدستوري عندما فرض مهلة زمنية بين ترك الوظيفة العامة وإمكان الترشح لرئاسة الجمهورية. فالمبدأ الدستوري لم يُوضع عبثاً، بل لحماية حياد الإدارة ومؤسسات الدولة، وفي مقدمها المؤسسة العسكرية، من التسييس المباشر.
في عيد الجيش، لا يحتاج اللبنانيون إلى المزيد من الصور والخطابات، بل إلى قرار سياسي واضح ببناء دولة تحتكر وحدها قرار الأمن والدفاع، وتؤمن بأن الجيش هو أداتها الدستورية في فرض القانون على الجميع، بلا استثناء وبلا تمييز.
فكلما ابتعد الجيش عن السياسة، اقترب أكثر من رسالته الوطنية. وكلما تحرر من القيود التي تكبّله، أصبح أكثر قدرة على حماية السيادة، وصون السلم الأهلي، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
وهذا، ربما، هو التكريم الحقيقي للمؤسسة العسكرية في عيدها: أن تبقى جيشاً للدولة وحدها، لا ملاذاً دائماً لعجز السياسة، ولا جسراً إلزامياً إلى رئاسة الجمهورية.






