كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
في جمهورية الموز، قرر المنظّرون أن يحموا البيئة! كيف؟ بفرض الشروط والرسوم على الطاقة الشمسية!
نعم، في جمهورية الموز أصبحت الألواح الشمسية، التي لجأ إليها المواطن بعدما عجزت الدولة عن تأمين الكهرباء، قضية تحتاج إلى رسوم وتنظيم وتعقيد.
أما المولدات التي تملأ الأجواء بالدخان والضجيج والسموم، فتبقى جزءًا من المشهد الطبيعي! يا لها من مفارقة!
المواطن يحاول أن ينتج كهرباء من الشمس، فيُطلب منه أن يمرّ عبر متاهة جديدة من الشروط والرسوم، بدل أن تشجعه الدولة على الطاقة النظيفة. لكن في جمهورية الموز، لا تسأل كثيرًا عن المنطق...
اسأل فقط: عن كل مين إيدو إلو؟ وهذه ليست شحادة. كما قلنا سابقًا: هذه دولة اللا حل. دولة تستسهل الحل الأسهل: جيب المواطن.
بالأمس، أقرّت الحكومة زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، وقيل إن الهدف تأمين إيرادات لتمويل زيادات للموظفين والمتقاعدين.
والسؤال يبقى مشروعًا: أين ذهبت الأموال؟ وهل وصلت الزيادات فعلًا إلى أصحاب الحق؟ وهل المطلوب من المواطن أن يدفع أولًا، ثم يسأل لاحقًا؟
في جمهورية الموز، كل شيء ممكن. قد تدفع على البنزين بحجة الزيادة. وقد تدفع على الكهرباء التي لا تأتي. وقد تدفع للمولد. وقد تدفع للمياه التي لا تصل. وقد تدفع رسومًا تحت عناوين مختلفة. وقد تدفع ثمن كل شيء... إلا ثمن شيء واحد: أن تحصل على دولة تؤدي واجباتها.
في جمهورية الموز لا كهرباء كما يجب، ولا ماء كما يجب، ولا أمن كما يجب، ولا عدل كما يجب.
أما الشيء الوحيد المؤمَّن على مدار الساعة فهو: هدر كرامات الناس واستنزاف جيوبهم.
دولة عميقة؟ نعم، ولكن في مكان واحد فقط: عميقة في العجز. دولة تعجز عن تنفيذ قانون واحد على نافذ، لكنها لا تعجز عن ابتكار رسم جديد، أو ضريبة جديدة، أو شرط جديد، أو باب جديد لتحميل المواطن مسؤولية فشلها.
وهنا يحضرني القول المنسوب إلى جوناثان سويفت: "القانون مثل خيوط العنكبوت؛ لا يعلق به إلا الحشرات الصغيرة."
وهكذا تصبح الحكاية في جمهورية الموز: الكبير يمرّ من بين خيوط القانون، والصغير يعلق فيها. المواطن يدفع، والمواطن ينتظر، والمواطن يتحمّل، والمواطن يُطلب منه المزيد من الصبر...
إلى متى؟ إلى متى يُطلب من الناس أن يدفعوا ثمن دولة لا يحصلون منها على الحد الأدنى من حقوقهم؟
مرق عليكم دولة مثل هالدولة؟ أكيد لا. لأننا في لبنان لا نكتفي بإدارة الدولة...
نحن نبتكر، كل يوم، طرقًا جديدة لإذلال شعبنا. نبتكر كيف نأخذ من جيبه، كيف نرهقه، كيف نُفقده ثقته، وكيف نجعله يشعر أن كرامته أصبحت ترفًا لا تستطيع الدولة تحمّل كلفته.
دولة تعجز عن تأمين أبسط حقوق مواطنيها، لكنها لا تعجز عن اختراع وسيلة جديدة لتحميلهم ثمن عجزها. مرق عليكم دولة مثل هذه الدولة؟ أكيد لا... لأننا، بكل أسف، لم نعد نقلّد أحدًا.
نحن أصبحنا مدرسة في كيفية إذلال شعبٍ كامل باسم الدولة. والمشكلة لم تعد في رسم هنا أو ضريبة هناك. المشكلة في تراكم الإذلال. وفي شعور المواطن بأن الدولة موجودة فقط عندما تريد منه المال، وغائبة عندما يريد منها حقًا.
وهنا النصيحة الأخيرة: لا تجعلوا البركان يثور. فالبركان حين يثور لا يميّز كثيرًا بين من أشعل النار ومن وقف يتفرّج. لا تختبروا صبر الناس إلى ما لا نهاية. ولا تدفعوا المواطن إلى حافة اليأس. أطفئوا النار قبل أن تصبح بركانًا... فمتى ثار البركان، لن يكون من السهل إخماده، وقد تأكل نيرانه الجميع.
يا لها من جمهورية عجيبة... كل شيء فيها قابل للضريبة، كل شيء قابل للرسوم، كل شيء قابل للتبرير...
إلا الفشل، فالفشل فيها معفى من كل الرسوم! "حتى النعمة من الله عليها ضريبة "






