المركزية- عقد معهد التمويل الدولي (المؤسسة العالمية الأبرز للصناعة المالية) ومقرّه الرئيسي في واشنطن، مؤتمراً هذا الأسبوع حول الشرق الأوسط، جمع صانعي السياسات وخبراء الاقتصاد والمال والمستثمرين، لمناقشة التوقعات الاقتصادية وآفاق الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي الست، إضافةً إلى مصر والأردن ولبنان.
وتحدث في المؤتمر الدكتور مروان بركات كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث لدى بنك عوده، حيث تناول الآفاق الاقتصادية الإقليمية والمحلية.
على الصعيد الإقليمي، ومقارنةً بما كان عليه الوضع قبل ثلاثة أشهر، توقع بركات حالياً انكماشاً أعمق على المدى القريب وتعافياً أبطأ وأقل انسجاماً، مع تراجع الناتج الفعلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 2.0% في عام 2026 وهو أسوأ أداء منذ العام 2020. وفي حال استمرار النزاع، من المرجّح أن تظهر الأضرار اللاحقة عبر إنتاج الطاقة والشحن، يليها تأجيل الاستثمارات وضعف السياحة وارتفاع كلفة التمويل والتأمين.
أما بالنسبة لعام 2027، فتوقع تعافياً نسبياً وإن كان متفاوتاً بحيث يُتوقع أن ينتقل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من انكماش بنسبة 2.0% في عام 2026 إلى نمو إيجابي بنسبة 7.0% في عام 2027، إذ ستعمل القاعدة الانكماشية لسنة الأساس على تزويد النمو في السنة المقبلة. وتفترض توقعاته للسنة القادمة تراجع حدة الأعمال العدائية، وطرقاً تجارية أكثر أماناً بشكل تدريجي، وتعافي صادرات الطاقة، وعدم تعرّض البنى التحتية الحيوية لأضرار طويلة الأمد.
ويقول بركات: إننا واثقون بحذر لا متيقنون، فالتعافي المتوقع السنة المقبلة يعكس عمق الانكماش المسجّل هذا العام (أثر سنة الأساس)، لكنه يعتمد أيضاً على استعادة صادرات الطاقة، وتأمين طرق الشحن، وعودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته. ويستند افتراض بركات بالتوصل إلى تسوية ما إلى الكلفة الاقتصادية والمالية والاستراتيجية المتزايدة على جميع الأطراف، والحوافز المتنامية للوساطة الإقليمية والدولية لتحقيق خفض دائم للتصعيد. أما في حال استمرار الأعمال العدائية لفترة طويلة أو بقاء طرق التجارة الرئيسية غير موثوقة بشكل ملموس، فإن التعافي سيتأخر، وبالتالي سيكون أضعف مما هو متوقع في السيناريو الأساسي.
أما بالنسبة للبنان، فقد رزح الاقتصاد اللبناني تحت التداعيات السلبية للحرب منذ مطلع شهر آذار. ويقول في السياق: إنه في حين استهلّ عام 2026 بأداء اقتصادي كلي جيّد، حصل انعكاس في المنحى بعد الشهر الثاني، إذ تحوّلت جميع مؤشرات القطاع الحقيقي من النمط التوسعي إلى النمط الانكماشي نتيجة تباطؤ الطلب على السلع والخدمات. ويقدّر البنك الدولي النمو الاقتصادي هذا العام بانكماش نسبته 6.4%، وهو الأداء الأسوأ في لبنان في غضون الأعوام الستة الفائتة، مع احتمال ان تكون وتيرة الانكماش اكبر في حال عودة الحرب وفق توقعات بركات.
أضاف: ومما فاقم الوضع الانكماشي أن التضخم ارتفع بشكل حاد في ظل ارتفاع أسعار النفط ما أدى الى سيناريو الركود التضخمي. فقد ارتفع معدل التضخم في لبنان إلى 17.5% على أساس سنوي في أيلول (أيلول 2026 مقارنةً بأيلول 2025)، بعدما كان 12.2% على أساس سنوي في كانون الأول (كانون الأول 2025 مقارنةً بكانون الأول 2024)، وفقاً لإدارة الإحصاء المركزي. وعليه، يُعدّ معدل التضخم هذا العام الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشمل الارتفاع المسجّل هذا العام في لبنان جميع مكونات سلة السلع والخدمات، مع تسجيل الزيادة الأكبر في بندَي النقل واستهلاك الطاقة المنزلية. وتجدر الإشارة إلى أن الطاقة تؤثر بشكل مباشر على نحو 25% من سلة الاستهلاك في لبنان، إذ يمثّل بند الطاقة المنزلية 12% من إجمالي السلة، فيما يمثّل بند النقل 13% منها. وبالتالي، على أساس أسعار طاقة ثابتة، كان مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان ليسجّل ارتفاعاً إجمالياً بنسبة 8.3% خلال السنة الممتدة حتى أيلول 2026، استناداً إلى احصاءات إدارة الإحصاء المركزي.
وتابع: شهدت الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 فائضاً اسمياً في ميزان المدفوعات بقيمة 1,426 مليون دولار أميركي، وفقاً للارتفاع في صافي الموجودات الخارجية للنظام المالي (مصرف لبنان والمصارف). وبعد استبعاد الارتفاع في احتياطيات الذهب الناجم عن أسعار الذهب العالمية، يكون ميزان المدفوعات الفعلي قد سجّل فائضاً بقيمة 844 مليون دولار أميركي خلال فترة الأشهر الثمانية، ما يعكس فائض التدفقات الوافدة على التدفقات الخارجة. غير أن هذا الفائض يُقارن بفائض فعلي أعلى بكثير بلغ 3,289 مليون دولار أميركي في كامل عام 2025. وعلى صعيد المالية العامة، سجل فائض بقيمة 1.2 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2026 بالمقارنة مع فائض أقل قيمته 1.0 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2025، وذلك بارتفاع نسبته 20% على الرغم من تداعيات الحرب بشكل عام.
أضاف: يدخل لبنان عام 2027 عند منعطف حاسم، إذ تتوقف آفاقه الاقتصادية على تطور الأوضاع الأمنية، والمفاوضات السياسية، ومعالجة أوضاع القطاع المصرفي، وتنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها. وعلى هذه الخلفية، طرحت الملاحظات الختامية لبركات سيناريوهات متمايزة للعام القادم، مع ما تحمله من انعكاسات محتملة على النمو الاقتصادي، والموازين الخارجية، والمالية العامة، والأوضاع النقدية، والمجاميع المصرفية، وأسعار العقارات.
وتناول بركات ثلاثة سيناريوهات لعام 2027، وهي: السيناريو الإيجابي القائم على إحراز تقدم في المفاوضات السياسية ومعالجة أوضاع القطاع المصرفي والإصلاحات، والسيناريو الوسطي القائم على ديمومة الاستقرار الأمني انما مع غياب الإصلاحات بسبب التجاذبات السياسية المحلية، والسيناريو السلبي القائم على تجدّد الحرب. ويفضي السيناريو الإيجابي إلى نمو حقيقي بنحو 7% في عام 2027، مدفوعاً بتحسّن عامل الثقة الداعم للطلب الإجمالي. أما السيناريو السلبي فيفترض اقتصاداً انكماشياً في ظل الحرب، مع تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى سلبي بمقدار زهاء -3%. يبقى السيناريو الوسطي، القائم على ديمومة الاستقرار الأمني ولكن من دون تحقيق اختراق على صعيد الإصلاحات، بحيث يفترض نمواً متواضعاً في حدود 2%.
وختم: في ضوء النتائج المتباينة بشكل ملحوظ المتوقعة لعام 2027، يأمل اللبنانيون حالياً أن تضع الحرب أوزارها بشكل دائم وفق ترتيبات تحول دون تجددها؛ وأن يعتمد القادة السياسيون مقاربة تسووية وبنّاءة يمكن للبلاد أن تبني عليها بشكل فعّال؛ وأن يمضي صانعو السياسات بحزم في تنفيذ أجندة الإصلاحات التي طال انتظارها؛ وأن يُبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم اللازم لتحقيق نهوض محلي واسع النطاق، وإعادة إنعاش الاقتصاد وتعافيه المنشود.






