جوانا فرحات
المركزية – بأكثرية الأعضاء وغياب عضو واحد بداعي المرض، قرر المجلس الدستوري تعليق مفعول قانون العفو العام مؤقتا إلى حين البت بالطعن المقدّم من نواب تكتل لبنان القوي.
قرار البت بالطعن جاء سريعا إذ لم يمض على تقديمه أكثر من 24 ساعة، ما يعكس أن الاعتراض لم يكن وليد نقاش قانوني طويل فحسب، وإنما كان هناك استعداد سياسي وقانوني مسبق لمواجهة القانون بصيغته التي أقرّ بها.
الدوافع التي يرجح أن يكون المجلس الدستوري قد استند إليها يفنّدها مصدر قضائي بوجود شبهة جدية تستوجب التدقيق الدستوري في المواد ومواءمتها مع الدستور ومبادئ المساواة والعدالة وتوزيع الصلاحيات. وبما أن قانون العفو العام بطبيعته يستثني فئات ويشمل أخرى، فإن المجلس يكون أمام ضرورة التدقيق في المعايير التي اعتمدها المشرّع، وهل هي موضوعية وعامة أم أنها تميّز بين فئات متشابهة من دون مبرر دستوري.
النقطة الثانية هي الخشية من نشوء واقع قانوني يصعب تصحيحه لاحقاً، وهذه النقطة أساسية. فإذا بدأ تنفيذ العفو وأُطلق سراح أشخاص أو خُفّضت أحكامهم، ثم قرر المجلس الدستوري لاحقاً إبطال مواد أساسية من القانون، يصبح تصحيح الوضع أكثر تعقيداً. لذلك فإن تعليق التنفيذ هوعملياً، وسيلة للحفاظ على الوضع القانوني القائم إلى أن يقول المجلس كلمته النهائية.
ثالثاً، حساسية بعض مواد القانون وطبيعة المستفيدين منه، إذ من المتفق عليه أن ملف العفو العام في لبنان ليس ملفاً قانونياً تقنياً وحسب إنما يرتبط بملفات جنائية وأمنية وسياسية وبموقوفين لم تصدر بحق بعضهم أحكام نهائية. وبالتالي فإن أي خلل في صياغة المعايير قد يفتح الباب أمام جدل حول العدالة والمساواة، وحول ما إذا كان القانون يعالج أوضاعاً استثنائية بالفعل أم يتحول إلى تسوية سياسية أو اجتماعية لفئات محددة.
ويتوقف المصدر عند نقطة الفصل بين قرار المجلس والطعن بالملف. فالطعن السياسي لا يعني أن قرار المجلس سياسي، وليس ملزماً بتبني الأسباب السياسية التي دفعت نواب "لبنان القوي" إلى الطعن. مهمته هي فحص النص القانوني نفسه ومدى مطابقته للدستور. ولذلك فإن سرعة الطعن لا تعني تلقائياً أن قرار التعليق صدر استجابة سياسية، بل تعني أن الطعن وضع القانون أمام اختبار دستوري عاجل.
قضائياً، ينطلق المصدر من حقيقة هوية ملف العفو العام ويقول لـ"المركزية" الملف ليس إلا تسوية شملت كل الأطراف، بحيث سعت كل طائفة من خلال نوابها إلى شد الحبال ليشمل القانون الموقوفين والمتهمين والصادرة بحقهم أحكام قضائية لأن يشملهم العفو وهكذا حصل. لكن هناك ثغرات قانونية لا يمكن التغاضي عنها أو السماح بتمريرها وأعتقد أن الخطأ ناتج عن جهل المشرعين الذين وضعوا بنود القانون والمرجح أنهم لا يمتّون إلى التشريع بصلة إذ لا يمكن أن نفهم كيف يشمل القانون المتهمين بالقتل ولا يشمل المتهمين بمحاولة القتل. ويذكّر بالخطأ الأكبر الذي ارتكبه القضاء خلال الفترة السابقة، إذ سمح بترك الموقوفين الإسلاميين من دون محاكمة مدة 12 عاما. من هنا جاء هذا القانون للتغطية على التقصير الفاضح الذي ارتكبه القضاء.
إلا أن تعليق القانون لا يعني أنه سقط، والمواجهة الحقيقية تبدأ الآن. فالمجلس الدستوري سيدرس أسباب الطعن والمواد المطعون فيها، وقد يصل في النهاية إلى أحد السيناريوهات: إما إبطال بعض المواد، أو إسقاط مواد محددة وإبقاء الباقي نافذا، بحسب ما يراه المجلس من الناحية الدستورية.
وهذا يعني أن قانون العفو العام أُقرَّ تشريعياً، لكنه مجمّد تنفيذياً، ولم يحسم مصيره دستورياً. وترجح المصادر أن يصار إلى تعديل بعضها وإبطال بعضها الآخر والإبقاء على أخرى على أن ليس هناك مهلة محددة لكن هناك ما يعرف بمهلة الحث ويفترض أن يصار إلى البت به في خلال هذه المهلة. وهنا قد يعود القانون إلى مجلس النواب بصورة غير مباشرة، لأن المجلس النيابي سيجد نفسه أمام ضرورة إعادة صياغة المواد التي سقطت دستورياً، ولا سيما إذا كانت المواد الملغاة تمس جوهر الفئات المستفيدة من العفو لكنه غير ملزم بالتصويت عليه والتطبيق يتم على أساس القرار الدستوري". وهنا تبدأ مشكلة سياسية وإنسانية، لأن كل يوم تأخير يعني استمرار أوضاع الموقوفين والمحكومين الذين كانوا يعوّلون على القانون.
الواضح أن ملف قانون العفو العام بات اليوم في قبضة الدستور وهو لن يعود كما كان عليه في صيغة بعض المواد "غير الدستورية" التي شملها القانون إذ تحول إلى مادة اختبار لمفهوم العدالة والمساواة أمام القانون، وقدرة السلطة التشريعية على إنتاج قانون عفو لا يتحول إلى صفقة سياسية.






