المركزية – في أعقاب تفجير تلة علي الطاهر الذي دمّر شبكة أنفاق حزب الله وأحدث ارتدادات واسعة جنوب لبنان، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي انسحاب قواتها من المرتفعات وتمركزها في خطوط خلفية قرب قلعة شقيف، مؤكدة أنّ السيطرة ستستمر "عن بُعد" عبر النيران والمراقبة الجوية. وفي موازاة ذلك، كشف مصدر إسرائيلي أنّ نحو خمسين عنصراً من حزب الله كانوا داخل الموقع، قُتل معظمهم خلال عملية التفجير.
هذا التطوّر يعكس تحوّلاً في التكتيك الإسرائيلي من التمركز المباشر إلى إدارة المعركة بالنيران والتكنولوجيا، فيما يبقى لبنان أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات التصعيد، وسط تحذيرات رئيس مجلس النواب نبيه بري من أنّ "الوضع خطير والحلول بعيدة"، مؤكداً أنّ اتفاق الإطار سقط وأن الاحتلال يبقى خياراً مطروحاً إذا قررت تل أبيب ذلك.
هذا المشهد يعكس انسداد الأفق السياسي وتزايد المخاوف من توسّع المواجهة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واحتمال لجوء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى خيار الحرب الواسعة لتوظيفها داخلياً.
فماذا بعد سقوط "علي الطاهر"؟
العميد ناجي ملاعب يقول لـ"المركزية": "لنبدأ من المشكلة الأساسية التي تُعيب على الدولة اللبنانية لجوؤها إلى طاولة واشنطن. فلو لم تلجأ الدولة اللبنانية إلى هذه الطاولة، لاكتسبت إسرائيل ـ للأسف ـ مشروعية دولية في إزالة التهديد. دائماً من يفتح النار على إسرائيل هو الطرف الآخر، وليس إسرائيل . لذلك، وبحجة إزالة التهديد، وما ورد في الملحق الأمني ضمن اتفاقية الإطار، فإن إسرائيل تعتبر أنه يحق لها إزالة أي تهديد في المناطق التي تحتلها.
ويضيف: "لن نتحدث عن منشأة علي الطاهر التي كانت تعني الكثير لحزب الله، بل عمّا بعد علي الطاهر. فإذا لم يستدرك لبنان، وتحديداً السلطة السياسية ، عبر تكليف الجيش اللبناني بالانتشار الفعلي في الجنوب، فإن الأمور ستتجه نحو مزيد من التعقيد. المطلوب أن يكون وجود الجيش في الجنوب فعلياً لا شكلياً كما رأينا في النبطية، وأن يتصرف الجيش على الأرض بما يُظهر أنه موضع ثقة في تنفيذ قرار الحكومة".
ويتابع ملاعب: "اقترحت سابقاً عبر وسائل الإعلام، وأعيد الاقتراح اليوم، أن يُعلَن الجنوب منطقة عسكرية تُطبَّق فيها حالة الطوارئ، بما يجيز للجيش دخول المنازل نهاراً وليلاً من دون أمر قضائي عند الحاجة. وتُوضَع القوى العسكرية كافة بتصرّف الجيش ليباشر تنفيذ مهمته في حصر السلاح. إذا اتخذت السلطة السياسية هذا القرار، فإنها بذلك تُسقط الحجة الإسرائيلية بوجود تهديد في أماكن أخرى غير علي الطاهر"، مشيرا الى ان "إسرائيل وجّهت أنظارها نحو إقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي. فإذا لم يقم الجيش اللبناني بمهامه في هذه المناطق، فإن إسرائيل ستتدخل عسكرياً، وستبرّر ذلك أمام العالم بأنه يهدف إلى إنهاء الأنفاق والسلاح والمقاتلين".
ويعتبر ملاعب ان "ما بعد علي الطاهر أمام ثلاثة احتمالات: الاول أن تُقدِم السلطة اللبنانية على إعلان الجنوب منطقة عسكرية، فينفرد الجيش بالسلاح واستخدامه من دون أي تنسيق مع حزب الله أو غيره. ثانيا، أن ننتظر المزيد من العمليات العسكرية الإسرائيلية، خاصة أن نتنياهو على أبواب انتخابات، ولن ينسحب من أي شبر ما دام هناك استحقاق انتخابي. ولا يجب أن نعوّل كثيراً على الانتخابات، لأن غادي أيزنكوت ـ إذا وصل بعد نتنياهو ـ لن يتخلى عن نظرية "القوة الأقوى". ثالثا، أن يتخذ حزب الله قراراً بمعاودة القتال أمام بيئته، فيفتح النار مجدداً. لكن أي مواجهة جديدة ستصبّ في مصلحة إسرائيل، وقد تتجاوز الردود إلى الضاحية، وهو ما تعتبره إيران خطاً أحمر".
ويختم: "إذا أقدمت إسرائيل على ضرب الضاحية، فقد تستدرج رداً إيرانياً، وربما يكون ذلك جزءاً من خطتها لاستدراج مواجهة مع إيران كما حصل سابقاً. إسرائيل تمتلك مخزوناً ضخماً من الذخائر الأميركية على أراضيها، وقد استُحضِر إليها خلال حرب الـ39 يوماً السابقة نحو 126 ألف طن من الأسلحة والقذائف. لكن في المقابل، هناك تقديرات إسرائيلية بوجود نحو 1500 صاروخ باليستي لدى إيران، ما يجعل أي مواجهة مباشرة معقدة وصعبة التقدير".






