2:45 PMClock
خاص
  • Plus
  • Minus

التشكيلات القضائية...استقلالية مشروطة بفلسفة التدخلات السياسية

جوانا فرحات

المركزية – منذ حوالى الأسبوع كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تصاعد الدخان الأبيض من قاعة مجلس القضاء الأعلى حول التشكيلات القضائية التي ستشمل حوالى 30 مركزاً شاغراً. انتهى الأسبوع وباتت إمكانية إصدار التشكيلات قبل الدخول في العطلة القضائية أشبه بالتحدي المستحيل.

في الجوهر لا تُعدّ التشكيلات القضائية مجرد إجراء إداري يهدف إلى توزيع القضاة على المراكز والمحاكم، بل تشكل مؤشراً بالغ الدلالة على مدى استقلال السلطة القضائية عن السلطة السياسية. لذلك، فإن تأخير صدور التشكيلات التي كان متوقعاً إنجازها قبل بدء العطلة القضائية في شهر آب على أن يبدأ العمل بموجبها منتصف أيلول، يُعيد إلى الواجهة السؤال الذي يتفاعل مع كل استحقاق مماثل: هل أصبح القضاء أكثر تحرراً من التدخلات السياسية بعد التغييرات التي شهدها لبنان، أم أن منطق المحاصصة لا يزال يتحكم بالقرار القضائي وإن بأشكال مختلفة؟

سياسياً، يجزم مصدر قضائي لـ"المركزية" أن من نافل القول بأن زمن التدخل السياسي في الجسم القضائي ولّى إلى غير رجعة. صحيح أن الخطاب الرسمي خلال المرحلة الأخيرة ركز على تعزيز استقلال القضاء، إلا أن التجربة اللبنانية أثبتت أن النفوذ السياسي لا يمارس دائماً بصورة مباشرة أو معلنة، بل قد يظهر عبر الاعتراض على أسماء معينة، أو السعي إلى تأخير إصدار المراسيم، أو بالحفاظ على توازنات طائفية وسياسية داخل الجسم القضائي.

لكن  حرصاً على الموضوعية، يتابع المصدر، قد يكون التأخيرمرتبطاً بمحاولة إنتاج تشكيلات أكثر استقراراً وأقل عرضة للإعتراض، خصوصاً بعد التجارب السابقة التي شهدت تعطيل التشكيلات لسنوات بسبب الخلافات بين المرجعيات السياسية والقضائية. ومن هذا المنطلق، قد يكون التأني في إصدارها محاولة لتفادي تكرار سيناريوهات التعطيل السابقة، وليس بالضرورة دليلاً على وجود تدخل سياسي مباشر في كل تفصيل.

 إلا أن المعطيات المتداولة في الأوساط القضائية تنسف احتمالات تحييد السياسة عن الجسم القضائي، إذ توحي أن الخلاف يتركز على عدد محدود من المراكز الأساسية وتحديدا في النيابات العامة وبعض مواقع قضاة التحقيق ورؤساء المحاكم، وهي مراكز ترتبط مباشرة بملفات مالية وإدارية وأمنية حساسة. لذلك فإن الاتفاق على هذه المواقع هو الذي يحدد عملياً موعد صدور التشكيلات كاملة. وعلى رغم استقلالية مجلس القضاء في اختيار الاسم المناسب في التشكيلات المقترحة إلا أن نفاذها مرتبط بإصدار المرسوم عن السلطة التنفيذية. وهذا الواقع يجعل استقلالية القضاء غير فاعل والتدخلات قد تكون غير مباشرة لكنها مؤثرة مما يؤدي إلى تأخير إصدار المرسوم حتى لو أنجز المجلس عمله.

في هذا السياق يلفت المصدر القضائي إلى أن مجلس القضاء الأعلى يحاول هذه المرة تجنّب تكرار تجربة الأعوام السابقة، عندما أُنجزت تشكيلات وبقيت مُعلّقة بسبب الاعتراضات السياسية. وعليه، فإن المجلس يسعى للوصول إلى صيغة تحظى بأوسع توافق ممكن قبل رفعها نهائياً، تفادياً لأي تعطيل جديد بعد صدورها. غير أن هذا المنطق يطرح إشكالية قانونية أساسية، إذ إن ربط صدور التشكيلات مع توافر توافق سياسي ولو بصورة غير مباشرة، يتعارض مع فلسفة استقلال القضاء. فالأصل أن تكون معايير الكفاءة والأقدمية وحاجة المرفق القضائي هي وحدها التي تحكم توزيع القضاة، لا الاعتبارات السياسية أو الطائفية أو التوازنات بين القوى النافذة.

من أبرز المراكز التي يدور النقاش حولها تبعاً للمصدر القضائي، رئاسة محكمة التمييز التي شغر مركز رئاستها بعد انتقال القاضي أسامة منيمنة إلى رئاسة هيئة التفتيش القضائي، ما استدعى البحث عن بديل لهذا الموقع السنّي، ورئاسة محكمة استئناف بيروت، وهي من المراكز الأساسية المطلوب ملؤها بعد حصول شغور، ورئاسة محكمة جنايات بيروت، التي يرجّح أنها أمّ العقد في التشكيلات الحالية وتتمحور الإشكالية بحسب المصدر حول القاضي ربيع حسامي إذ يتمسك النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج بتعيينه رئيساً لمحكمة جنايات بيروت، بينما يعارض رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود هذا التوجه، ويتمسك بعدم نقله إلى هذا الموقع.  كذلك يدور خلاف حول إسم القاضي الذي سيتولى منصب المحامي العام الاستئنافي في بيروت، ومنصب رئيس محكمة التمييز بعد الشغور الذي نتج عن انتقال القاضي أسامة منيمنة إلى رئاسة التفتيش القضائي.

قد لا يكون معيار نجاح التشكيلات القضائية المرتقبة في إعلانها قبل العطلة القضائية مطلع شهر آب أو بعدها بل في مدى قدرتها على تكريس مبدأ أن القاضي يُعيَّن وفق معايير مهنية بحتة، بعيداً من منطق التوازنات السياسية الذي طبع الحياة القضائية في لبنان لعقود. وبالتالي قد تكون التشكيلات صدرت قضائيا إلا أن ساعة الصفر تبقى بيد السلطة السياسية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o