كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد.
من السهل أن ننظر إلى المشهد من زاوية واحدة: من يملك الطائرات؟ من يملك الصواريخ؟ من يسيطر على البحر والجو؟ ومن استطاع إسقاط الموقع أو احتلاله؟ لكن علم الاستراتيجية لا يكتفي بهذه الأسئلة. فالحرب ليست مجرد مقارنة بين كمية السلاح والتكنولوجيا، وليست كل نتيجة ميدانية انتصاراً استراتيجياً بالضرورة. هناك عناصر أخرى تدخل في الحساب: الإرادة، والقدرة على تحمّل الكلفة، والمصداقية، والردع، والأثر النفسي، والأهم: القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى نتيجة سياسية.
ومن هنا يمكن قراءة بعض المشاهد التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة. بحسب الرواية الإسرائيلية، طُلب من مقاتلي حزب الله في موقع علي الطاهر الاستسلام، وإلا فالموت، فاختاروا القتال حتى النهاية. وبصرف النظر عن تفاصيل الرواية التي تحتاج دائماً إلى التحقق المستقل، فإن الفكرة نفسها تفتح باباً مهماً في علم الحرب:
ماذا يحدث عندما يفشل التفوق العسكري في إنتاج الاستسلام النفسي؟ عسكرياً، لا شك أن ميزان القوى بين مقاتلين في موقع محدود وبين جيش يمتلك تفوقاً هائلاً في القوة الجوية والبحرية والاستخبارات والاستطلاع والتكنولوجيا ليس متكافئاً. ومن الطبيعي، في مثل هذا الميزان، أن يسقط موقع عسكري. لكن سقوط الموقع لا يجيب وحده عن السؤال الاستراتيجي.
فالنجاح التكتيكي يعني تحقيق هدف ميداني محدد؛ السيطرة على موقع، تدمير هدف، دفع قوة إلى الانسحاب أو إيقاع خسائر بها. أما النجاح الاستراتيجي فيُقاس بسؤال مختلف: هل أدّى هذا الإنجاز العسكري إلى تحقيق الهدف السياسي الذي من أجله بدأت العملية؟
وهنا تكمن أهمية العامل النفسي.
المقاتل الذي يرفض الاستسلام وهو يعرف أن خصمه متفوق عليه تقنياً وعسكرياً لا يقوم بالضرورة بحسابات الربح والخسارة المادية وحدها. قد يدخل في حسابه مفهوم الكرامة، والعقيدة، والانتماء، ورفض الإذلال، والاستعداد لتحمّل الكلفة. وهنا لا يصبح الموت بالضرورة "انتصاراً عسكرياً"، كما أن سقوط الموقع لا يعني بالضرورة "انتصاراً نفسياً" للخصم. يمكن أن تخسر موقعاً عسكرياً وتحتفظ بإرادتك، كما يمكن أن تنتصر عسكرياً في موقع وتكتشف أنك لم تحقق الهدف السياسي الذي أردته. وهذه واحدة من أهم الفواصل بين التكتيك والاستراتيجية. المصداقية... السلاح الذي لا يُرى
نصل هنا إلى العنصر الأكثر أهمية: المصداقية. لنفترض أن قائداً أو دولة قال: "إذا ردّت، سندمّرها." ثم جاء الرد بعد ثوانٍ، وكان مؤلماً، ولم يحدث التدمير الذي توعّد به المهدِّد. المشكلة هنا ليست في التهديد وحده، وإنما في ما حدث للمصداقية بعد اختبار التهديد. في مفهوم الردع، لا تكفي القدرة وحدها. قد تملك قوة هائلة، لكن الردع يقوم على أن يقتنع الخصم بثلاثة أمور: أنك تستطيع تنفيذ التهديد، وأنك تملك الإرادة لتنفيذه، وأن كلفة اختبارك ستكون أعلى من الفائدة التي يتوقع الحصول عليها. ولهذا فإن كل تهديد معلن هو، بطريقة أو بأخرى، وعدٌ بالقوة قابل للاختبار.
عندما يختبر الخصم هذا الوعد ويكتشف أن الكلام لم يتحول إلى فعل، يتعلم. وفي المرة التالية يصبح أكثر جرأة. ثم يأتي اختبار آخر. ومع تكرار المشهد تبدأ عملية خطيرة تسمى في جوهرها تآكل المصداقية. وهنا يتحول التهديد من أداة ردع إلى دعوة غير مباشرة للخصم كي يقول: أرني ماذا تستطيع أن تفعل. وهذه لحظة شديدة الخطورة في السياسة والحرب. القوة ليست في السلاح وحده من الخطأ اختزال القوة في حجم الترسانة. القوة الاستراتيجية هي حاصل تفاعل عدة عناصر:
القدرة العسكرية + الإرادة السياسية + المصداقية + تحمّل الكلفة + القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى نتيجة سياسية. وإذا امتلك طرف قدرة عسكرية هائلة لكنه عجز عن إقناع خصمه بأنه مستعد لاستخدامها، فإن جزءاً من قيمة تلك القوة يتراجع.
وفي المقابل، قد يمتلك طرف أقل تسليحاً قدرة محدودة على إحداث الضرر، لكنه يملك إرادة عالية لتحمّل الكلفة، فيجعل خصمه يعيد حساباته. وهنا تظهر أهمية الردع غير المتكافئ. فليس مطلوباً دائماً من الطرف الأضعف أن ينتصر عسكرياً على الأقوى؛ قد يكون هدفه أن يجعل كلفة الانتصار على الأقوى مرتفعة إلى درجة لا تعود معها القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق الهدف السياسي.
من علي الطاهر إلى الممرات الاستراتيجية وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى سقوط علي الطاهر، وإلى أمثلة أخرى مثل باب المندب وهرمز، ضمن إطار أوسع، من دون اعتبار هذه الحالات متطابقة عسكرياً أو جغرافياً. الفكرة ليست أن سقوط موقع جبلي يساوي السيطرة على ممر بحري، ولا أن الحالات الثلاث تخضع للظروف نفسها. الفكرة هي أن التفوق التقني لا يساوي بالضرورة السيطرة الاستراتيجية المطلقة. فالسيطرة الجوية لا تعني تلقائياً السيطرة الكاملة على الأرض. والتفوق البحري لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم بكل حركة في ممر بحري. والتفوق التكنولوجي لا يلغي قدرة خصم أقل تسليحاً على فرض كلفة، أو تعطيل هدف، أو المحافظة على إرادة القتال.
لذلك فإن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون فقط: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يستطيع استخدام قوته بطريقة تحقق الهدف السياسي، ومن يستطيع منع خصمه من تحقيق هدفه؟ الحرب تقع أيضاً داخل عقول البشر هناك حرب أخرى تجري بالتوازي مع الحرب العسكرية: الحرب النفسية. القائد يراقب خصمه، والجندي يراقب خصمه، والشعب يراقب خصمه، والجميع يراقب أيضاً صدق ما تقوله القيادة.
وهنا تظهر مشكلة نفسية وسياسية بالغة الخطورة عندما تصبح هناك فجوة بين الصورة التي تريد القيادة أن تصنعها عن قوتها، والصورة التي تفرضها الوقائع على الأرض. كلما اتسعت هذه الفجوة، قد يزداد اللجوء إلى الخطاب، والتهديد، ورفع سقف الكلام. لكن المفارقة أن الإفراط في التهديد قد ينتج عكس المطلوب. لأن كل تهديد جديد يصبح اختباراً جديداً للمصداقية. وإذا فشل الاختبار، تصبح الكلمة التالية أقل تأثيراً من سابقتها. وهكذا يمكن أن تنتقل القيادة من مرحلة: "أنا أهدد، إذن أنت تخاف" إلى مرحلة: "أنت تهدد... فلنرَ ماذا تستطيع أن تفعل."
وهنا يبدأ الردع بالتآكل. بين "هيهات منا الذلة" وميزان الاستراتيجية "هيهات منا الذلة" ليست في هذا السياق مجرد عبارة عاطفية؛ يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها تعبيراً عن رفض تحويل التفوق العسكري للخصم إلى تفوق نفسي. لكن يجب أن نكون دقيقين: رفض الاستسلام ليس انتصاراً عسكرياً بحد ذاته، كما أن الاستسلام ليس دائماً هزيمة استراتيجية. الاستراتيجية لا تعمل بالشعارات، بل بالنتائج.
لكن عندما يعجز التفوق العسكري عن إجبار خصمه على الانهيار النفسي، فإن هذا التفوق يكون قد اصطدم بعامل لا تستطيع التكنولوجيا وحدها حسمه: الإرادة. وهذه الإرادة تصبح ذات قيمة استراتيجية عندما تستطيع تحويل كلفة الحرب إلى عنصر يؤثر في القرار السياسي للخصم.
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى الصراخ من هنا يمكن فهم قاعدة أساسية في السياسة والحرب: لا تهدد بما لا تستطيع تنفيذه.
فالقيادة التي تملك قوة حقيقية لا تحتاج إلى إعلانها كل يوم، ولا إلى رفع سقف تهديداتها في كل مناسبة. أحياناً يكون الصمت أكثر ردعاً من الخطاب. وأحياناً تكون القدرة على إبقاء الخصم في حالة شك حول ما ستفعله أكثر فاعلية من تحديد عشرات الخطوط الحمراء التي يمكن اختبارها واحدة بعد الأخرى. لأن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بما تملكه، وإنما بما يعتقد خصمك أنك قادر على فعله، وبما تثبت الوقائع أنك قادر فعلاً على فعله. وفي النهاية، قد تسقط الأرض ولا يسقط الردع. وقد تسقط المواقع ولا تسقط الإرادة. وقد يحقق جيش انتصاراً تكتيكياً كبيراً، لكنه لا يحقق الهدف السياسي الذي ذهب إلى الحرب من أجله. وقد يخسر مقاتلون موقعاً أو معركة، لكنهم يخرجون منها وقد أثبتوا أنهم لم يُجبروا على الاستسلام. وهنا تحديداً تبدأ القراءة العلمية للحرب:
ليست الحرب معركة بين الجيوش فقط، بل معركة بين القدرة والإرادة، بين القوة والمصداقية، وبين ما تقوله القيادة وما تستطيع إثباته عندما يأتي وقت الاختبار. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك القدرة على جعل خصمه يصدّق أن كلمته ستتحول، عندما يحين وقتها، إلى فعل؟ فهناك يبدأ علم الردع... وهناك أيضاً يبدأ علم النفس في الحرب.






