11:58 AMClock
اقتصاد
  • Plus
  • Minus

حيدر في "مؤتمر العمل العربي": علينا أن نستعد لسوق عمل الغد

المركزية- شارك وزير العمل محمد حيدر في الدورة الثانية والخمسين لـ"مؤتمر العمل العربي" في القاهرة الذي تنظمه منظمة العمل العربية، بمشاركة ممثلي أطراف الإنتاج الثلاثة من حكومات وأصحاب عمل وعمال.

وألقى خلالها الكلمة الآتية: "أقف أمامكم اليوم وفي القلب حزن كبير. وقبل أن أتحدث عن العمل والعمال والتحديات التي تواجه أسواق العمل العربية، أجد من واجبي أن أبدأ من الإنسان، لأن الإنسان وكرامته وحقه في العمل والحياة الكريمة هي جوهر رسالتنا جميعاً.

اسمحوا لي أن أستذكر شهيدة وزارة العمل اللبنانية، زميلتنا هبة صباح، التي ارتقت شهيدة قبل أيام مع أطفالها ورضيعها وعدد من أفراد عائلتها وعائلة زوجها، إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلها الآمن في منطقة خارج نطاق الاعتداءات العسكرية المباشر، وأدى إلى سقوط أكثر من عشرة شهداء من المدنيين.

هبة لم تكن رقماً في مؤسسة، بل كانت زميلة تؤدي واجبها، وأماً لها عائلة وأحلام وحياة. وهي اليوم واحدة من اللبنانيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحرب والعدوان، فيما كان كل ما يسعون إليه هو العيش والعمل بكرامة.

السيدات والسادة،

لا يمكن أن نتحدث عن واقع العمل في لبنان بمعزل عن واقع لبنان نفسه.

فقد خلّف العدوان الإسرائيلي أضراراً كبيرة طالت الإنسان والاقتصاد والمؤسسات والبنى التحتية ومقومات الإنتاج. مصانع ومؤسسات تضررت، ومستشفيات تعرضت للقصف، وحتى الإدارات الرسمية لم تكن بمنأى عن الاعتداءات.

وعندما تُستهدف مؤسسة أو مصنع أو مستشفى، فإن الخسارة لا تُقاس بالحجر وحده. خلف كل مؤسسة عمال، وخلف كل وظيفة عائلة، وخلف كل مشروع دورة إنتاج وأجور وأرزاق.

لذلك فإن حماية الاقتصاد اللبناني هي في الوقت نفسه حماية للعامل ولصاحب العمل ولقدرة المجتمع على الصمود والاستمرار.

ومن هذا المنبر، نتوجه إلى أشقائنا العرب: لبنان يحتاج اليوم إلى وقوفكم إلى جانبه، ليس بالتضامن فقط، بل بالمساندة التي تساعده على الحفاظ على مؤسساته وفرص العمل وقدرته على الإنتاج، وعلى الاستعداد لمرحلة التعافي وإعادة النهوض.

السيدات والسادة،

في هذه الظروف تزداد مسؤولية وزارة العمل.

ونحن ننطلق من قناعة أساسية: العامل وصاحب العمل ليسا خصمين، بل شريكان في عملية إنتاج واحدة.

مهمتنا أن نحمي حقوق العامل وكرامته وأمنه الاجتماعي، وأن نساعد في الوقت نفسه أصحاب العمل والمؤسسات على الاستمرار والنمو والحفاظ على فرص العمل.

فلا حماية مستدامة للعامل من دون مؤسسة قادرة على الاستمرار، ولا مؤسسة ناجحة من دون عامل مصانة حقوقه وكرامته.

ومن هنا، نعمل على تعزيز الحوار الاجتماعي بين الدولة والعمال وأصحاب العمل، للوصول إلى توازن يحمي الحقوق ويشجع الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.

ورغم الظروف الصعبة، لم نتخذ من الأزمة ذريعة لتعليق الإصلاح.

فبعد أكثر من عشرين عاماً، تمكنا من تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في خطوة أساسية لإعادة تفعيل هذه المؤسسة وتعزيز دورها في الحماية الاجتماعية.

كما بدأ الضمان يستعيد تدريجياً قدرته على تقديم خدماته، وتحسنت الاستفادة من عدد من تقديماته بصورة ملحوظة.

لكن هدفنا ليس فقط العودة إلى ما قبل الأزمة، بل بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر فاعلية واستدامة وشفافية، لأن الأمن الاجتماعي للعامل هو جزء أساسي من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

وفي موازاة ذلك، وضعت وزارة العمل خطة لتنظيم العمالة الأجنبية غير النظامية، انطلاقاً من مبدأ واضح: تنظيم سوق العمل ليس موجهاً ضد العامل الأجنبي، بل هو تطبيق للقانون وحماية لحقوق الجميع.

وقد سجلنا إقبالاً كبيراً من العمال وأصحاب العمل على تسوية أوضاعهم، وسنواصل هذا المسار للوصول إلى سوق عمل منظم يحفظ حق العامل اللبناني، ويحترم حقوق العامل الأجنبي، ويحدد مسؤوليات صاحب العمل.

السيدات والسادة،

ان مسؤوليتنا لا تقتصر على معالجة تحديات اليوم، لذلك علينا أن نستعد أيضاً لسوق عمل الغد.

فالعالم يتغير بسرعة، الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والعمل عن بُعد، وأنماط العمل الجديدة، كلها تعيد رسم طبيعة الوظائف والمهارات التي تحتاج إليها اقتصاداتنا.

ولهذا نعمل على تحديث التشريعات وتطوير قانون العمل بما يواكب هذه التحولات، وإدخال مفاهيم حديثة، ومنها العمل المرن، بما يحقق التوازن بين حاجة المؤسسات إلى المرونة والتطور وحق العامل في الحماية والاستقرار.

كما نعمل على تحديث وزارة العمل نفسها، من خلال تطوير الخدمات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتحديث قواعد البيانات وتسريع التحول الرقمي، بما يجعل الوزارة أكثر قرباً من العامل وأكثر استجابة لصاحب العمل.

وهنا أود أن أتوقف عند الدور المهم لمنظمة العمل العربية.

اولا، أتوجه بالشكر إلى معالي المدير العام، السيد فايز علي المطيري، على اهتمامه الدائم بلبنان وعلى الدعم والتعاون الذي لمسناه منه تجاه وزارة العمل اللبنانية.

ونحن لا نتطلع فقط إلى استمرار هذا التعاون، بل إلى تطويره إلى شراكة أوسع وأكثر عملية.

نحتاج إلى خبرات منظمة العمل العربية ودعمها الفني في تحديث التشريعات، وتطوير سياسات سوق العمل، وبناء قدرات الوزارة، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، والاستفادة من التجارب العربية الناجحة.

كما نتطلع إلى التعاون في تطوير مهارات القوى العاملة، ولا سيما الشباب، وتأهيلهم لوظائف المستقبل، لأن حماية العامل لا تعني فقط حماية وظيفته الحالية، بل تعني أيضاً تمكينه من المنافسة في سوق عمل يتغير بسرعة.

وأقول لمعالي المدير العام من هذا المنبر: نقدّر ما قدمتموه للبنان، ونتطلع إلى أن تكون منظمة العمل العربية شريكاً أساسياً لنا في مسيرة تحديث وزارة العمل وتطوير سوق العمل اللبناني.

السيدات والسادة،

رؤيتنا واضحة: نريد الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي والتطور.

نريد وزارة حديثة تحمي العامل، وتساند صاحب العمل، وتشجع المؤسسات على الاستمرار والاستثمار وخلق فرص العمل.

نريد سوق عمل منظماً وعادلاً، يحمي الحقوق من دون أن يعيق المبادرة، ويشجع الاستثمار من دون أن يكون ذلك على حساب كرامة الإنسان.

لبنان اليوم يحتاج إلى أشقائه، لكنه في الوقت نفسه مصمم على النهوض.

ومن القاهرة، ومن مؤتمر العمل العربي، نحمل صوت عمال لبنان وأصحاب العمل ومؤسساته الإنتاجية، ونؤكد أننا، رغم الألم والصعوبات، متمسكون بالعمل والإنتاج والحماية الاجتماعية والشراكة.

وسنبقى نعمل من أجل دولة تحمي العامل، وتساند صاحب العمل، وتشجع الإنتاج، وتفتح أمام شبابها أبواب المستقبل، لأن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل كرامة للإنسان، واستقرار للمجتمع، وأساس لنهوض الأوطان".

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o