كتب المحامي ميشال فلاّح:
ثمة شيء غير مألوف في قصة نواف سلام. الرجل الذي وصل إلى رئاسة الحكومة في بلدٍ تُصنع فيه السياسة عادةً داخل البيوت الحزبية والزعامة والبرلمان وبِـ"همسة" من الخارج، أمضى الجزء الأكبر من حياته خارج هذه الدائرة، يراقب لبنان ويدرسه ويكتب عنه، ثم عاد إليه حاملاً معه شيئاً أكثر صعوبة من برنامج انتخابي: فكرة عن الدولة.
ولِفَهم نواف سلام، ربما ينبغي العودة إلى ما قبل الأمم المتحدة، وما قبل محكمة العدل الدولية، بل إلى شابٍ لبناني كان يفتش في التاريخ عن تفسير لبلده. ولد سلام عام 1953 في بيروت، داخل عائلة سياسية عريقة. لكنه لم يختر الطريق الذي كان متاحاً له بحكم الإرث العائلي. فبدلاً من النيابة والوزارة والزعامة، اختار التاريخ والقانون والعلوم السياسية. حصل على دكتوراه في التاريخ من السوربون عام 1979، وكانت أطروحته عن انتفاضة 1958 في لبنان. ثم اتجه إلى القانون، فدرس في بيروت وهارفارد، وأكمل لاحقاً الدكتوراه في العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية في باريس.
وهنا تبدأ ملامح الشخصية التي ستظهر لاحقاً. فالرجل لم يدرس لبنان من موقع السياسي الذي يبحث عن جمهوره، وإنما من موقع الباحث الذي يحاول فهم لماذا يفشل هذا البلد في بناء دولة مستقرة. ومنذ كتابه المبكر "الإصلاح الممكن والإصلاح المنشود" عام 1987، ثم " المسألة اللبنانية: الطوائف، المواطن، الدولة" عام 1998، وصولاً إلى "خيارات للبنان" عام 2004، كان السؤال نفسه يتكرر بأشكال مختلفة: لماذا بقي المواطن اللبناني أسيراً للطائفة، ولماذا بقيت الدولة أضعف من القوى التي يفترض أن تعمل داخلها؟
وفي " المسألة اللبنانية: الطوائف، المواطن، الدولة" تحديداً، تظهر مبكراً ملامح سلام السياسي: الدولة، إصلاح الإدارة، استقلال القضاء، التمثيل الانتخابي، والمواطنة. ولم يكن ذلك تنظيراً لاحقاً صاغه بعد وصوله إلى السلطة، بل أفكاراً كتبها وهو في بداية مساره العام.
من كانوا أقرب إليه؟
المفارقة أن الإجابة ليست سهلة. فليس هناك من «مجموعة سلام» بالمعنى المعروف في السياسة اللبنانية. لا نجد حوله شبكة حزبية أو حلقة معلنة من المستشارين والمريدين. أقرب ما يمكن رصده هو الوسط الأكاديمي والقانوني والثقافي الذي تحرك فيه لعقود، ثم عائلته، وفي مقدمتها الإرث السياسي.
وهذا مهم، فصائب سلام، مثلاً، كان سياسياً جماهيرياً، أما نواف فاختار أن يرث من عائلته فكرة بيروت ولبنان والدولة أكثر مما يرث منها أدوات الزعامة. وفي حياته الشخصية، تزوج من الصحافية والسفيرة سحر بعاصيري، وله منها ابنان، لكن حياته العائلية بقيت بعيدة نسبياً عن الاستعراض السياسي المعتاد.
أما التأثير الأكبر في تكوينه لم يكن شخصاً واحداً بقدر ما كان مزيجاً من الفكر التاريخي والقانون الدولي وفكرة الدولة المدنية. بل إن كتاباته تكشف شيئاً أكثر دلالة. سلام يستشهد بإميل دوركهايم وابن خلدون، ويقرأ تاريخ الطائفية بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية، لا مجرد امتداد للاختلاف الديني. وهو يرى أن العصبية، بالمعنى الخلدوني، أصبحت عاملاً أساسياً في استمرار البنى الطائفية.
فلسطين... واليسار الذي لم يتحول إلى حزب
من الصعب أيضاً فهم شخصية سلام من دون التوقف عند القضية الفلسطينية. فقد عُرف منذ سنواته الطلابية بتأييده للقضية الفلسطينية، واستمر هذا البعد في كتاباته ومواقفه الدبلوماسية لاحقاً. لكن اللافت أنه لم يتحول إلى سياسي أيديولوجي بالمعنى التقليدي. يبدو أن فلسطين عنده ارتبطت بالعدالة والقانون الدولي وحقوق الشعوب، لا بالانضمام إلى محور سياسي لبناني محدد. وهنا ربما يكمن مفتاح فهم علاقته بـ"حزب الله".
فهل يمكن اعتبار "خصومته" مع حزب الله فكرية؟ إلى حد كبير، نعم، ولكن ليس بالمعنى العقائدي الديني أو المذهبي. فسلام لا ينطلق من مشروع مناهض لشيعة لبنان، ولا من خطاب مذهبي، ولا من رفض لفكرة المقاومة من حيث المبدأ. اعتراضه الأساسي يقع في مكان آخر: من يحتكر قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يمثل الدولة؟ وأين تنتهي سلطة الحزب وتبدأ سلطة المؤسسات؟ وهذه الأسئلة تصطدم بطبيعتها مع النموذج الذي مثله "حزب الله" في الدولة اللبنانية.
سلام كتب بوضوح عن ضرورة قيام دولة حديثة تستند إلى المواطنة وسيادة القانون، وعن ضرورة أن تكون الدولة قادرة على بسط سيادتها في الداخل والخارج. كما دعا إلى النأي بالنفس عن المحاور الإقليمية.
لذلك، فالخلاف هنا بنيوي وليس شخصياً. سلام يؤمن بأن الدولة يجب أن تكون المرجعية النهائية، فيما قام جزء أساسي من قوة "حزب الله" تاريخياً على وجود قوة عسكرية وسياسية تتجاوز الدولة في بعض المجالات. ولهذا يصعب تصور أن يصبح الخلاف بين الطرفين مجرد سوء تفاهم سياسي قابل للتسوية بالعبارات.
الرجل الذي سبق منصبه
حين أصبح سلام سفيراً للبنان في الأمم المتحدة ثم قاضياً في محكمة العدل الدولية ورئيساً لها، لم يكن يبني شخصية جديدة. كان يضع أدوات دولية في خدمة أفكار لبنانية قديمة. وهذه ربما أهم حقيقة في سيرته.
ففي عام 2021 جمع كتابه "لبنان بين الأمس والغد" نصوصاً كتبت على مدى أكثر من ربع قرن، لتظهر الصورة كاملة: سلام يريد الانتقال من "لبنان الطوائف" إلى لبنان المواطنة، ومن المحاصصة إلى المؤسسات، ومن الزعامة إلى القانون.
ولهذا فإن صلابته السياسية لا تأتي من امتلاك كتلة نيابية أو حزب أو شارع، قوته مختلفة، إنه رجل أمضى عقوداً في صياغة أفكاره قبل أن يُطلب منه تنفيذها. وعندما دخل السرايي، لم يدخلها حاملاً مشروعاً اكتشفه في الطريق. دخلها ومعه أفكار كتب بعضها قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الأهم في نواف سلام: الرجل الذي جاء من عائلة صنعت رؤساء حكومات، قضى حياته محاولاً أن يجعل الدولة أقوى من العائلات والأحزاب والطوائف. وإذا كان ثمة "مثل أعلى" يمكن استخلاصه من سيرته، فهو ليس شخصاً بعينه بقدر ما هو مفهوم الدولة نفسها، دولة القانون، والمواطن، والقضاء المستقل، والسيادة، والإصلاح.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربته السياسية مختلفة، وما يجعل خصومته مع القوى التي تنازع الدولة بعض وظائفها أعمق من خلاف عابر بين سياسيين: إنها، في جوهرها، معركة على تعريف لبنان نفسه.






