في القضايا الشائكة التي تمسّ العصب الاجتماعي والحقوقي للدولة، تُقاس قيادة "رجال المراحل" بمدى قدرتهم على الموازنة بين حتمية سيادة القانون، وضرورة الحلول الاستثنائية التي ترمم النسيج الوطني. وفي هذا السياق، يقف الرئيس جوزيف عون اليوم كقامة وطنية وسياسية تجسد أرفع درجات المسؤولية الوطنية والحس الحقوقي السليم.
لقد برهن الرئيس عون، عبر مسيرته القيادية في إدارة الملفات الكبرى، عن دراية عميقة بفلترة النصوص القانونية وتطبيقها بما يخدم روح القانون لا مجرد حرفيته. كما أن شجاعته لم تكن يوماً صرامة مجردة، بل كانت مقترنة بحكمة حقوقية تدرك تماماً أن الاستقرار الناجز لا يتحقق بالحلول الأمنية أو الأحكام القاسية وحدها، بل بفتح آفاق العدالة والتأهيل.
وفيما يتصل بملف قانون العفو العام الذي تمت صياغته في أروقة التشريع، تبرز قراءة الرئيس عون كقراءة رجل دولة يمتلك رؤية دقيقة للواقع القضائي والإنساني في بلد يفتح صفحة جديدة بعد انقضاء حقبة أمنية وسياسية صعبة، طويت صفحاتها بعد سقوط النظام السوري السابق. فالعفو العام، من منظور حقوقي وسيادي، ليس مجرد إجراء لإخلاء السجون أو التجاوز عن الأخطاء، بل هو أداة قانونية استثنائية تُستخدم لإعادة رسم التوازنات الاجتماعية ومحو آثار أزمات مستعصية طال أمدها، متى ما استند إلى ضوابط واضحة تحمي الحقوق وتصون الأمن العام؛ وهو ما يبرز جلياً في نصوص ومواد القانون الجديد الذي حط رحاله في "بعبدا"، منتظراً قرار الرئيس الإنسان.
يتطلع المتابعون للشأن الحقوقي إلى تغليب هذا النهج الحكيم في التعاطي مع مشروع العفو؛ إذ يُنتظر أن تشكل قراءة الرئيس للملف محطة مفصلية ترعى مقتضيات السيادة والعدالة، وتضع حداً للمعاناة الإنسانية لمئات المحكومين والموقوفين الذين انتظروا طويلاً إنصافاً قانونياً شاملاً.
إن مقاربة الرئيس جوزيف عون للاستحقاقات الوطنية الحساسة، كانت دائماً تعكس إدراكاً عميقاً لمفاهيم السلم الأهلي، وتؤكد أن حكمة القائد تكمن في قدرته على اتخاذ القرارات الشجاعة التي تتجاوز الحسابات الضيقة؛ فهو يطوي صفحات الماضي وعينه ترنو نحو المستقبل، مستقبل يبنيه اليوم على قاعدة المصالحة الوطنية والاجتماعية الحقيقية والشاملة.
مالك الهزاع - مستشار المرصد اللبناني لحقوق السجناء






