لم يخرج لبنان في تعامله مع اتفاق الإطار الموقّع مع إسرائيل عن النمط الذي عهده اللبنانيون في محطات مماثلة بالرغم من المتغيرات الكبيرة التي أحاطت به والتي لم تتوفر في عهود سابقة. المشهد عينه يتكرر كما سبق مع اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024 الذي خاض تجربته الرئيس نبيه بري وقبلهما مع القرار 1701 الذي قاد مراحله الرئيس فؤاد السنيورة والذي أنهى حرباً بدأها حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين من داخل الأراضي المحتلة.
ما يجمع بين كل هذه المحطات أنها أتت بعد حروب اختار حزب الله توقيتها وعناوينها، فيما جهدت الدولة اللبنانية بعدها للتوصل لوقف إطلاق النار وصياغة التسويات. لكن القاسم المشترك والأهم بين تلك المحطات كان في فشل الدولة الدائم في تطبيق ما التزمت به وفي محاولة حزب الله وحلفائه الإنقلاب على الإتفاقات بهدف إعادة انتاج الظروف التي تؤدي الى تجدّد الحرب.
لقد اعتبر المجتمع الدولي بعد صدور القرار 1701 أن الدولة التي انتزعت المبادرة من حزب الله واستطاعت استنفار القوى الكبرى هي قادرة حكماً على السيطرة على جنوب الليطاني ومنع حزب الله من إعادة تكوين بنيته العسكرية. لكن ما حصل سياسياً كان التمرد على مضمون القرار الدولي باحتلال الوسط التجاري لبيروت وإتباعه بغزوة عسكرية لأحيائها، كما تم احتواء القرار ميدانياً من خلال قواعد الإشتباك التي قيّدت حرية عمل قوات اليونيفيل في قطاع جنوب الليطاني وحالت دون القيام بالمهام الملقاة على عاتقها في متن القرار الدولي.
وفي هذا السياق، شكّل إطلاق حرب إسناد غزة في تشرين الاول 2023 محاولة جديدة لحزب الله للقفز فوق القرارات الدولية وفقاً لإملاءات طهران، واختباراً لقدرته على احتواء وتعطيل مفاعيلها. لكن نتائج الميدان ونجاح إسرائيل في التوغل جنوباً وفي اغتيال قادة الحزب أفقدت القرار 1701 صلاحيته، حيث استلزم وقف إطلاق النار الذهاب إلى اتفاق جديد يصاغ خارج مجلس الأمن، فكان إتفاق تشرين الثاني 2024 الذي انصاع الرئيس بري لشروطه القاسية لإنقاذ حزب الله بعد سقوط معادلة الردع التي اعتدّ بها الحزب لسنوات.
لم يدرك اللاعبون بالنار أن اتّفاق تشرين الثاني 2024 قد أسقط مفاعيل القرار 1701 الذي لم يربط الإنسحاب الإسرائيلي في حينه بتطبيق حصرية السلاح بل بمباشرة الجيش الإنتشار في الجنوب. هذا بالإضافة أن محاولة احتواء الإتفاق الجديد لم تتوفر لها ظروف النجاح هذه المرة بالرغم من نجاح الحزب ومعه الرئيس نبيه بري في إلزام الحكومة بتجاهل المسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقها ومنها تطبيق حصرية السلاح حتى 5 أغسطس /آب 2025 وإن تكن القرارات المتخذة في ذلك التاريخ قد بقيت حبراً على ورق. لم تتماشَ الضرورات الميدانية في إيران مع حسابات حزب الله وحلفائه في احتواء الإتفاق الجديد، فقد أدخلت الحرب الايرانية الاميركية واغتيال المرشد علي خامنئي الحزب في حرب إسناد جديدة أسقطت معها كل مزاعم الدولة اللبنانية بالسيطرة على جنوب الليطاني، كما وضعته أمام مواجهة غير محسوبة النتائج. ذهب رئيس الجمهورية هذه المرة جرياً على العادة الى خيار التفاوض المباشر الذي لا بد منه، مما أضاف على الموقف مزيداً من التعقيد.
يبدو أن محاولات الإلتفاف على اتفاق الإطار مستمرة، فموقف الدولة إزائه تجسده حالة من التذبذب بين إعلان التمسك به ظاهرياً من جهة، وبين إفشال الإجراءات التي تؤدي إلى تنفيذه وتجاهل ما نص عليه لتنفيذ حصرية السلاح من جهة اخرى. وقد يكون في عدم التوصل الى تحديد إجراءات التحقق بالرغم من الزيارات المتكررة للجنرال جوزيف كليرفيلد إلى بيروت ما يؤكد على ذلك. وليس الجهد المبذول على أكثر من صعيد للذهاب نحو إطار جديد يُبقي على قوات اليونيفيل في الجنوب أو البحث عن أي إطار دولي آخر سوى خطوة في إتجاه العودة إلى إنتاج عناصر الأزمة من جديد. فهل يعي المغامرون ماهية اليونيفيل الجديدة بعد انتهاء مفاعيل القرار 1701 بالضربة القاضية؟
يدرك الجميع وربما لا يدركون أن عودة اليونيفيل تستلزم استصدار قرار جديد من مجلس الأمن تحدد على أساسه مهام القوى المشاركة وعديدها والإجراءات المتاحة لتنفيذ المهام. وهنا لا بد من طرح العديد من التساؤلات في ضوء المعطيات الميدانية القائمة:
هل ستنتشر القوى الدولية الجديدة في جنوب الليطاني فقط أم في شماله لتأمين تطبيق الإنسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح؟ وهل يمكن للقوى الجديدة القبول بقواعد الإشتباك التي كانت سائدة مع اليونيفيل بمعنى أن يرتبط عملها بموافقة ومواكبة الجيش أم أن الواقع يستوجب منحها حرية الحركة لتنفيذ المهمة؟ ألا تستلزم موجبات المهمات المطلوبة وحماية القوى الدولية أن يصدر القرار الجديد وفقاً للبند السابع بمعنى حرية استخدام السلاح؟ وألا يستلزم منع وصول السلاح غير الشرعي إلى لبنان انتشاراً على الحدود الشرقية والشمالية للبنان وذلك تطبيقاً للقرار 1680؟
فهل يدرك أصحاب القرار المربكون أمام إتفاق الإطار ما معنى عودة اليونيفيل إلى لبنان؟
العميد الركن خالد حماده - اللواء






