9:40 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

فؤاد شهاب: اعتراف متأخر بعظمة رئيس

في وقت تعيد فيه وسائل التواصل الاجتماعي اكتشاف تواضع الرئيس فؤاد شهاب ونزاهته وحسّه العميق بالدولة، تستحضر صورة قديمة ذكرى شخصية لرئيس حاول أن يستبدل منطق الزعامات والإقطاع السياسي بمنطق المؤسسات، لكن لبنان لم يدرك قيمة تجربته كاملة إلا بعد رحيله.

منذ يومين، تنتشر صور الرئيس فؤاد شهاب بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يشيد كثيرون اليوم بتواضعه ونزاهته وتمسّكه بمفهوم الدولة.

تظهره إحدى هذه الصور، في مطلع ستينيات القرن الماضي، مشاركًا في قداس أُقيم تكريمًا للسيدة العذراء في باحة مزار سيدة لبنان في حريصا، المطلّ على خليج جونية. وقد أعادت هذه الصورة إلى ذاكرتي مشهدًا شخصيًا ما زال يثير في نفسي الكثير من التأثر.

كنت آنذاك في سن المراهقة، تلميذًا داخليًا في مدرسة الرسل في جونية، وعضوًا في جوقة المدرسة التي كان يديرها أستاذ اللغة الفرنسية السيد لبكي، والتي شاركت في إحياء ذلك القداس. كان رئيس الجمهورية فؤاد شهاب يقف على مسافة أمتار قليلة منّا.

لا أزال أذكر مقدار الفخر الذي شعرت به وأنا أقف على مقربة من رئيس الجمهورية اللبنانية. غير أن الصورة الأشد رسوخًا في ذاكرتي هي صورة رجل كان حضوره يعكس، بعفوية ومن دون تكلّف، الهيبة والبساطة والتواضع العميق.

كان فؤاد شهاب، بلا شك، أحد أعظم رؤساء الجمهورية اللبنانية. كان رجلًا مستقيمًا، واعيًا لمسؤولياته، نزيهًا ومتقشفًا، وقد أحاط نفسه بأصحاب الكفاءة وربط ممارسة السلطة بمفهوم الدولة والخدمة العامة".

ومع ذلك، لم يُفهَم في حياته كما ينبغي، ولم يحظَ بالتقدير الذي يستحقه. وكما يحدث مع كثير من كبار الرجال في لبنان، كان لا بد من انتظار رحيله حتى يدرك كثيرون حجم إنجازاته وأهمية مشروعه.

انتُخب فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية عقب أزمة عام 1958، فعمل على نقل لبنان من نظام تتحكم فيه المصالح الخاصة والمحسوبيات والإقطاعيات السياسية إلى دولة حقيقية تقوم على مؤسسات حديثة وفاعلة.

شهدت الإدارة العامة في عهده تطورًا ملحوظًا، وتعزز حضور الدولة وسلطتها، وعاش اللبنانيون في مناخ من الأمن والاستقرار ندرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مدى أهميته. وكانت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، بما اتسمت به إدارتها من انضباط وحزم، تفرض احترامها وهيبة الدولة.

صحيح أن بعض ممارسات تلك المرحلة، ولا سيما ما ارتبط منها بالمكتب الثاني، أثارت انتقادات وجدالًا سياسيًا، إلا أن ذلك لا يمكن أن يلغي ضخامة العمل المؤسساتي الذي تحقق. فقد سعى فؤاد شهاب إلى ترسيخ سلطة الدولة في مواجهة نفوذ الزعامات والمصالح الخاصة وشبكات المحسوبية. ولم يكن هدفه ممارسة الحكم لمجرد البقاء في السلطة، بل بناء إدارة قادرة على خدمة جميع المواطنين.

كانت جونية، حيث تقع مدرستي، أشبه ببلدة كبيرة وهادئة. مدينة ساحلية صغيرة تعيش فيها عائلات عريقة في منازل متناثرة على امتداد الشاطئ. وشكّل افتتاح سينما «فينيقيا» عام 1963، ثم سينما «بريزيدانس» في الكسليك، حدثين بارزين في حياة المنطقة، إذ واكبت هذه المرافق الثقافية والاجتماعية النهضة التي كان قد أطلقها قبل ذلك بسنوات قليلة إنشاء كازينو لبنان.

وكان المشهد الطبيعي مختلفًا جذريًا عما هو عليه اليوم. فالجبال المحيطة بجونية، وصولًا إلى مرتفعات حريصا، كانت مكسوّة بالخضرة ولم يكن الزحف العمراني قد شوّه ملامحها بعد.

خلال عهده، منح فؤاد شهاب جونية دفعًا جديدًا، وأسهم بعمق في تحديث منطقة كسروان. فتوسعت شبكة الطرق وتحسنت، وتطورت البنى التحتية، واندمجت المنطقة في مسيرة تحديث شملت مختلف أنحاء البلاد. ولا يزال ما أنجزه فيها، في نظري، عملًا لا يقدّر بثمن.

عند اقتراب نهاية ولايته، أراد عدد كبير من النواب إتاحة المجال أمام بقائه في رئاسة الجمهورية. إلا أن فؤاد شهاب رفض هذا الخيار وغادر السلطة عند انتهاء ولايته.

ومع ذلك، قابل جزء كبير من أبناء كسروان عطاءه بجحود يصعب فهمه، فلم يفز في الانتخابات النيابية أي من مرشحي اللائحة التي كان يؤيدها في المنطقة.

يا لها من مفارقة مؤلمة! فالرجل الذي قدّم الكثير لكسروان لم ينل، في حياته، ما يستحقه من تقدير ووفاء.

تكشف هذه الواقعة، مع الأسف، عن ظاهرة متكررة في حياتنا الوطنية: نحارب رجال الدولة الحقيقيين وهم أحياء، ثم نحتفي بهم بعد رحيلهم، عندما يصبحون عاجزين عن سماعنا أو عن مواصلة خدمة وطنهم.

يتحول خصوم الأمس أحيانًا إلى أشد المعجبين بهم بعد موتهم، ويتسابق من عرقلوا مشاريعهم إلى ادّعاء الانتماء إلى نهجهم. وهكذا نصنع رموزًا من رجال رفضنا الإصغاء إليهم عندما كانوا قادرين على العمل والإنجاز.

في لبنان، يبدو أن الاعتراف بعظمة الرجال لا يأتي غالبًا إلا بعد رحيلهم، حين يكفّون عن إثارة مخاوف خصومهم، ويصبح الاحتفاء بهم ممكنًا من دون تهديد المصالح الراسخة.

لم يكن فؤاد شهاب في حاجة إلى صناعة عبادة لشخصه أو إلى كلمات المديح المبالغ فيها. فنزاهته وتواضعه وإحساسه بالواجب والمؤسسات التي أسهم في بنائها تتحدث عنه. وهو لا يزال رمزًا لجمهورية تحترم نفسها، منظمة وقائمة فعلًا في خدمة مواطنيها.

إن الأمة التي تنسى تاريخها، وتتجاهل بناة دولتها، وترفض استخلاص العبر من الماضي، تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء ذاتها. لذلك، بات من الضروري أن نؤدي واجب الذاكرة؛ لا بهدف تمجيد الماضي أو إنكار ما شهده من جدل وأخطاء، بل إنصاف أولئك الذين حاولوا بصدق بناء الدولة ووضع المصلحة الوطنية فوق المصالح والطموحات الشخصية.

يجب ألا تقتصر ذكرى فؤاد شهاب على تكريم متأخر أو على منشورات عابرة في وسائل التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن تدفعنا إلى التساؤل عن لبنان الذي فقدناه، والأهم من ذلك، عن لبنان الذي نريد إعادة بنائه.

إن تكريم فؤاد شهاب حقًا لا يكون بمجرد الاحتفاء بذكراه بعد رحيله، بل باستعادة نزاهته وتواضعه وإيمانه بالدولة ومفهومه الصارم للخدمة العامة.

وعندها فقط يمكن للذاكرة أن تتحول إلى قوة تسهم في إعادة بناء الجمهورية والحفاظ على بقاء الوطن اللبناني.

أنطوان منسى - الرئيس المؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين–الفرنسيين في فرنسا

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o