9:16 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

روما واختبار الدولة في الجنوب

كتبت د. زينة منصور:

​لا تبدو مفاوضات روما مجرد جولة في مسار دبلوماسي شائك، بل اختباراً لقدرة الدولة على استعادة موقعها في واحدة من أكثر القضايا حساسية: أمن الجنوب، والسلاح، والحدود، ومستقبل القرار السيادي. فالمعضلة لا تبدأ في روما، بل قبلها. وأي تفاوض جدي يحتاج إلى مرجعية موحدة، وقواعد واضحة للتحقق من التنفيذ، وصلاحيات محددة للجيش، وآلية تمنع تحويل الاتفاقات إلى نصوص قابلة لتفسيرات متناقضة. والسؤال هنا ليس: ماذا سيتفق عليه لبنان؟ بل: من يملك القدرة على تنفيذ ما سيُتفق عليه؟.


​التفاوض قبل الاتفاق

​إن غياب آلية واضحة للتحقق يضع أي تفاهم أمام اختبار صعب: من يراقب التنفيذ؟ ومن يملك حق التفتيش؟ وما حدود صلاحيات الجيش؟ ومن يقرر أن الالتزامات قد نُفذت؟
​هذه ليست تفاصيل تقنية، بل جوهر أي اتفاق أمني. فالترتيبات التي تفتقر إلى آليات تحقق واضحة قد تؤدي إلى استمرار الخلاف. ومن هنا، فإن تعثر مسار روما يعكس مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على الدخول إلى التفاوض بموقف واحد وتحويل التفاهم السياسي إلى واقع عسكري على الأرض.


​الجيش: الانتشار لا يكفي

​لا تقاس سيادة الدولة بعدد الجنود المنتشرين، بل بقدرتهم على ممارسة صلاحياتهم كاملة؛ فالانتشار من دون صلاحيات فعلية للتفتيش والوصول إلى المواقع المشبوهة وضبط السلاح، قد يتحول إلى حضور رمزي.
​وهنا تبرز "المناطق التجريبية": هل تمثل نموذجاً لتوسيع سلطة الدولة، أم ترتيبات ميدانية محدودة؟ فالجيش يحتاج إلى غطاء سياسي، وصلاحيات واضحة، وآلية تنفيذ لا تترك قراراته رهينة التوازنات العسكرية الميدانية.


​"علي الطاهر" والاختبار الميداني

​يكتسب موقع "علي الطاهر" أهمية لأنه تحول إلى اختبار لقدرة التفاوض على منع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة ميدانية. وأي تطور عسكري فيه يعيد طرح السؤال: هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق الحرب في الميدان، أم ستفرض الوقائع العسكرية نفسها؟.


​الأنفاق والسلاح: الوجه الآخر للأزمة

​يبقى ملف الأنفاق من أكثر الملفات حساسية، في ظل تطور تقنيات الرصد والكشف. وبعيداً عن التقارير التي تحتاج إلى التحقق، فإن القضية الأساسية سياسية: هل تستطيع الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة لكل بنية عسكرية وأمنية داخل أراضيها؟
​فوجود قدرات عسكرية خارج مؤسسات الدولة يجعل بناء منظومة أمنية موحدة أكثر صعوبة، ويضعف قدرة الحكومة على تقديم ضمانات واضحة في أي مفاوضات.


​أزمة السلاح هي أزمة قرار

​المشكلة الأعمق ليست في السلاح وحده، بل في القرار الذي يرافقه: من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يملك القرار الأمني؟ ومن يتحمل مسؤولية نتائج التصعيد؟
​عندما تضطر الدولة إلى التعايش مع قوى أمر واقع، تصبح السيادة مجزأة، ويصبح القرار الداخلي عرضة لتعدد المرجعيات. وهنا تكمن العقدة: لا يمكن للدولة أن تقدم ضمانات لا تملك أدوات تنفيذها، ولا يمكن لأي اتفاق أن يستقر إذا بقي القرار الأمني موزعاً بين الجيش وتنظيم مسلح خارجه.


​المطلوب: دولة قادرة على تنفيذ ما تتعهد به

​نجاح مفاوضات روما لا يتوقف على صياغة اتفاق مقبول فحسب، بل على قدرة لبنان على تحويله إلى واقع. وهذا يتطلب ثلاثة شروط:

1- ​قراراً سياسياً موحداً.
2- ​جيشاً يمتلك الصلاحيات اللازمة.
3- ​آلية تحقق مستقلة وشفافة.

​أما استمرار الغموض حول السلاح، والأنفاق، وصلاحيات الجيش، والمواقع الحساسة، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة.

​في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى اتفاق يوقف التصعيد مؤقتاً، بل إلى عودة الدولة إلى موقعها الطبيعي: المرجعية الوحيدة للأمن، وصاحبة القرار في الحرب والسلم، والمسؤولة عن حماية الحدود وتطبيق القانون على كامل أراضيها.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o