11:34 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

كيف نبني وطنًا؟

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س. عبيد:

كيف نثق في التاريخ، إذا كان الحاضر يُزوَّر أمام أعيننا؟
وكيف نبني وطنًا، إذا كانت لكل طائفة ذاكرتها، ولكل طائفة روايتها، ولكل طائفة أولويتها، بينما يبقى الوطن في آخر الصف؟

كيف نبني وطنًا موحّدًا، وقد بلغ الشقّ العمودي بين طوائفه حدًّا لم يعد معه اللبناني يرى في الآخر شريكًا في الوطن، بل امتدادًا لخوفه، أو منافسًا على سلطة، أو تهديدًا لوجوده؟

كيف نبني وطنًا، إذا كانت العدالة مرهونة بالسياسة، والسياسة محكومة بمصالح السياسيين؟

وكيف نقنع المواطن بأن القانون فوق الجميع، فيما يرى بأم عينه أن للجريمة أحيانًا أبوابًا خلفية، وأن للمجرم ساحات يتنقل فيها دون خوف من عقاب؟

كيف نبني وطنًا نعفو فيه عن القاتل، ونقتل الشهيد مرتين؟

مرة حين سقط برصاص الجريمة، ومرة حين يُمحى حقه باسم تسوية سياسية، أو حساب انتخابي، أو توازن طائفي.

وأنت، أيها الخارج من بوابة العفو العام، لا تخلط بين العفو والجريمة، وبين إسقاط العقوبة وإسقاط الحقيقة.
قد يسقط عنك العقاب بحكم قانون العفو، لكن العفو لا يغيّر ما حدث، ولا يعيد كتابة التاريخ، ولا يحوّل الضحية إلى مذنب، ولا يجعل الجريمة فضيلة.

فالدولة التي تعفو تستطيع أن تسقط العقوبة، لكنها لا تستطيع أن تطلب من أهل الشهيد أن ينسوا، ولا من التاريخ أن يكذب، ولا من الضمير أن يصمت.

وكيف نبني وطنًا نُكبّل فيه يد حماته، ثم نطلب منهم أن يحموا الجميع؟

كيف نبني وطنًا، وعسكريوه الذين يقفون في وجه الموت نيابة عن الدولة، لا يعيشون حتى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية التي تليق بمن يحملون أرواحهم على أكفهم من أجل الآخرين؟

أي رسالة نبعثها إلى العسكري عندما نطالبه بالتضحية، ثم نترك كرامته وحقوقه رهينة حسابات السياسة؟

وكيف نبني وطنًا، إذا كان لكل طائفة وطنها الصغير داخل الوطن الكبير؟

وكيف يبقى هذا الوطن حيًا، إذا صار الانتماء الطائفي أحيانًا أقوى من الانتماء الوطني، وصار بعض المسيحيين، وبعض المسلمين، وبعض أبناء كل الطوائف، أسرى كرسي أو منصب أو زعيم أو خوف على حصة؟
الوطن لا يُبنى بتوزيع المقاعد، بل بتوزيع العدالة.

لا يُحمى بالطوائف، بل بالقانون.

لا يعيش بالمحاصصة، بل بالمواطنة.

ولا يستمر بالخوف من الآخر، بل بالثقة به.

المشكلة ليست في أن يكون للإنسان طائفة؛ فهذه جزء من تاريخ لبنان وخصوصيته. المشكلة تبدأ عندما تصبح الطائفة وطنًا بديلًا، ويصبح الوطن مجرد مساحة جغرافية تتقاسمها الأوطان الطائفية.

وحينها يصبح السؤال الأخطر: إذا كان كل واحد منا يريد أن ينتصر لطائفته، فمن يبقى لينتصر للبنان؟

وهنا لا تعود القضية قضية مسيحي ومسلم، ولا ماروني وسني وشيعي ودرزي وسواهم؛ بل تصبح القضية بين من يريد دولة يتساوى فيها الجميع، ومن يريد دولة يكون فيها الجميع متساوين في الكلام، مختلفين في الحقوق.

فالوطن الذي لا يستطيع أن يحمي شهيده من النسيان، ولا جنديه من الإهانة، ولا قاضيه من التدخل، ولا مواطنه من الخوف، ولا تاريخه من التزوير، ليس بحاجة إلى خطابات وطنية جديدة.

إنه بحاجة إلى حقيقة واحدة وعدالة واحدة وقانون واحد.

وإلا، فلن يكون السؤال: كيف نبني وطنًا؟

بل سيصبح السؤال الأكثر قسوة: هل ما زال لدينا وطن أصلًا، أم أننا فقط نتقاسم اسمه؟

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o