لم يعد ما يجري اليوم في جنوب لبنان فصلاً جديداً من فصول المواجهة العسكرية بين إسرائيل و"حزب الله"، حيث يعود إلى الواجهة ملف أكبر وأكثر إحراجاً للدولة اللبنانية، يظهر مع كل نفق تعلن إسرائيل اكتشافه أو تدميره، فماذا يوجد فعلياً تحت الأرض التي تقول الدولة إنها استعادت سيادتها عليها، وكم تعرف هي عن البنية العسكرية التي أنشأها "حزب الله" على مدى عقود؟
ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً وبخاصة بعد توقيع لبنان وإسرائيل "اتفاق الإطار" في واشنطن في الـ26 من يونيو (حزيران) الماضي، الذي ربط بصورة واضحة استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة لها وتفكيك بنيتها العسكرية، مقابل انسحاب إسرائيلي تدرجي وفق آليات أمنية وآليات تحقق. والأهم، أن الملحق الأمني للاتفاق لا يتحدث عن جمع السلاح بمعناه التقليدي فقط، بل يضع الأنفاق ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة، ضمن البنى التي يفترض تفكيكها أو جعلها غير قابلة للاستخدام، في المناطق التي تنتقل إلى سيطرة الجيش اللبناني.
ماذا ورثت الدولة اللبنانية تحت أرضها؟
من هنا، فإن استمرار إسرائيل في العثور على منشآت تحت الأرض وتدميرها لا يضع "حزب الله" وحده أمام مشكلة، بل يضع صدقية الدولة اللبنانية نفسها أمام الاختبار. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعلنت إسرائيل في الـ28 من يونيو الماضي تدمير بنية تحت الأرض في بلدة "مجدل زون" بطول نحو 200 متر، وقالت إنها احتوت على مئات قطع السلاح ومنصات إطلاق، في واحدة من سلسلة منشآت ظهرت في الجنوب. وعليه، يتضح أن المشكلة لم تعد في إثبات أن لـ"حزب الله" أنفاقاً، وهذه حقيقة لم يعد ممكناً إنكارها، بل إن المشكلة الحقيقية هي في حجم ما لم يُكشف بعد، وفي الجهة التي تكشفه.
فإذا كانت الدولة اللبنانية قد وقعت اتفاقاً دولياً التزمت بموجبه نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته العسكرية، ثم بقيت إسرائيل هي التي تعثر على الأنفاق وتدخل إليها وتدمرها، فإن السؤال يصبح مشروعاً، كيف ستقنع الدولة الطرف الآخر بأنها نفذت التزاماتها إذا كانت لا تملك أصلاً خريطة كاملة لما يوجد تحت أرضها؟ وهنا تكمن الخطورة بالنسبة إلى لبنان.
ماذا بنى "حزب الله" تحت الأرض؟
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يتجنب لبنان حالياً وتجنب مواجهته طوال أعوام، ماذا بنى "حزب الله" تحت الأرض؟
ولم يعد الحديث عن بضعة ممرات حدودية أُعدت لعبور المقاتلين إلى إسرائيل، بل عن منشآت بعضها مجهز للإقامة والقيادة والتخزين والعلاج وإطلاق الصواريخ، وبعضها يسمح بحركة الآليات داخله، أي عن بنية عسكرية موازية يمكن وصف أجزاء منها، من حيث الحجم والوظيفة، بأنها أشبه بـ"مدن عسكرية" تحت الأرض.
وهنا تحديداً يبدأ التحقيق، كيف نشأت هذه المدن؟ أين تمتد؟ من كان يعرف بها؟ وتحت أي قرى وطرقات وأملاك وبنى تحتية حُفرت؟ والأهم، إذا كانت الدولة اللبنانية قد التزمت اليوم أمام العالم بتفكيكها، فهل تعرف أصلاً ماذا ورثت تحت أرضها؟
اختلالات بين ما يريده لبنان وما يلتزم بتطبيقه
وتأتي في هذا الإطار زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، إلى بيروت في توقيت لا يبدو منفصلاً عن المحاولة الأميركية لإعادة تحريك المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. لكن الزيارة تزامنت أيضاً مع موقف إسرائيلي يختصر إلى حد بعيد المأزق الذي وصلت إليه هذه المفاوضات، إذ أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية باقية لفترة طويلة في ما تسميه تل أبيب "المناطق الأمنية"، مستبعداً الانسحاب منها "تحت أي حال من الأحوال".
ولا بد من العودة إلى ما انتهت إليه الجولة الأخيرة في روما، لفهم المهمة التي يحملها كليرفيلد، حيث ظهرت بوضوح الاختلالات التي تحكم التفاوض بين الطرفين.
كان الوفد اللبناني يعرف قبل دخوله الجلسة أن الجانب الإسرائيلي لا يحمل جديداً، والنصيحة التي تلقاها كانت أن يضع مطالبه على الورق ويحدد ما يريد انتزاعه من المفاوضات، وفعل ذلك وقدم ثلاثة مطالب، وهي وقف التدمير والتجريف، وآلية التحقق للمناطق النموذجية، والحدود البرية وتقييم المرحلة الأولى، لكن إسرائيل رفضتها.
ولم يبق التوتر خارج غرفة التفاوض، ففي وقت كانت جلسة التفاوض منعقدة، وجهت إسرائيل إنذاراً إلى سكان بلدة المنصوري الجنوبية بعد مزاعم ارتكاب "حزب الله" انتهاكاً صارخاً وفادحاً لاتفاق وقف إطلاق النار عبر استهدافات ومسيرات ومواجهات ميدانية، فقرر الوفد اللبناني تعليق مشاركته. وبطبيعة الحال، أربكت الخطوة الوسيط الأميركي وأدت إلى رفع الجلسة لساعات، قبل أن يعود بتفسير إسرائيلي مفاده أن المنصوري تقع ضمن الخط الأصفر أو "المنطقة الأمنية". وبدوره رد الوفد العسكري اللبناني بتصحيح هذه المعطيات، مؤكداً وجود الجيش اللبناني داخل البلدة إلى جانب السكان. واستمر الأخذ والرد حتى اليوم التالي، وحاول الوسيط الأميركي إعادة الجميع إلى الطاولة، مستنداً إلى أن إسرائيل علقت قصف المنصوري، لكن أزمة المفاوضات كانت أعمق من حادثة البلدة. فلبنان يريد الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، فيما ترفض إسرائيل ذلك بحجة أن العمل في المنطقة الأولى لم يُستكمل بعد، كذلك لم يحصل الوفد اللبناني على استجابة لمطلب وقف العدوان، وهكذا انتهت الجولة من دون تحقيق نتيجة، وبدأ لبنان يلوح بخيار المقاطعة.
مدن "حزب الله" تحت الأرض… ماذا يوجد تحت لبنان؟
لم تعد أنفاق "حزب الله" قصة إسرائيلية يمكن للحزب نفيها، ولا مجرد ادعاءات عن ممرات عسكرية على الحدود، وما ظهر خلال الحرب، وما كشفه الجيش اللبناني لاحقاً بنفسه، يطرح أسئلة أكبر بكثير، ماذا بنى "حزب الله" تحت الأراضي اللبنانية طوال العقود الماضية؟ وكيف أمكن إنشاء هذه البنية العسكرية من دون أن تكون الدولة قادرة على تحديد حجمها ومساراتها واستخداماتها؟
وإذا كان وصفها بـ"المدن تحت الأرض" يبدو للوهلة الأولى مبالغاً فيه، فإن ما ظهر في بعض المواقع يفسر استخدام هذا التعبير، ممرات طويلة داخل الجبال، وغرف قيادة، ومنشآت طبية، ومخازن أسلحة وذخائر، وشبكات كهرباء وتهوية ومياه، وأماكن إقامة للمقاتلين، وطرق تسمح بمرور آليات وشاحنات، ومواقع لإطلاق الصواريخ. أي إننا لا نتحدث دائماً عن "نفق" بالمعنى التقليدي، ممر يصل نقطة بأخرى، بل عن منشآت عسكرية كاملة تحت الأرض.
"عماد 4"
والأهم أن بعض أهم الأدلة لم تأت من إسرائيل أصلاً، ففي أغسطس (آب) 2024، وقبل الاجتياح البري الإسرائيلي الواسع للجنوب، نشر الإعلام الحربي التابع لـ"حزب الله" مقطعاً مصوراً يظهر منشأة لإطلاق الصواريخ تحمل اسم "عماد 4"، وتبين القدرات الصاروخية للحزب تحت عنوان "جبالنا خزائننا".
وأظهر الفيديو ممراً واسعاً مضاءً تتحرك داخله شاحنات تحمل صواريخ، ومقاتلون على دراجات نارية وصولاً إلى مواقع إطلاق. ولم يمكن التحقق بصورة مستقلة من مكان المنشأة، ولكن ما ظهر في الفيديو الذي نشره إعلام الحزب يوضح أنها منشأة ضخمة تحت الأرض. وبمعنى آخر، الحزب نفسه هو الذي كان يريد في تلك المرحلة أن يقول لإسرائيل إن جزءاً كبيراً من قدراته لا يوجد فوق الأرض، وإن ما يمكن استهدافه من الجو ليس سوى جزء من منظومته العسكرية. لكن الرسالة الدعائية التي أراد الحزب استخدامها للردع تحولت لاحقاً إلى سؤال لبناني داخلي، أين توجد هذه المنشآت؟
كان الجيش الإسرائيلي في الفترة الممتدة بين ديسمبر (كانون الأول) 2018 ويناير (كانون الثاني) 2019، نفذ عملية "الدرع الشمالي" في محاولة لتحديد مواقع الأنفاق التي حفرها "حزب الله" إلى شمال إسرائيل من جنوب لبنان وتدميرها. وقال الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت إنه وجد ستة أنفاق ودمرها وجعلها غير صالحة للعمل، إما باستخدام المتفجرات أو من خلال ملئها بالأسمنت. وبحسب البيان، تم بناء الأنفاق الستة لغرض محدد وهو تمكين آلاف من مقاتلي "حزب الله" من شن هجوم تسلل على أهداف عسكرية ومدنية في شمال إسرائيل، كمناورة مفاجئة في حرب مستقبلية. ورد الأمين العام السابق للحزب حينها، حسن نصرالله، على مسألة الأنفاق بالقول، "أنا لست ملزماً أن أقول إن 'حزب الله' هو من قام بحفر هذه الأنفاق، بمعزل عمن قام بحفرها، لأننا لا نشتغل عند العدو الإسرائيلي"، وكشف عن وجود أنفاق "وهذه حقيقة"، وأضاف، "هناك أنفاق ولكن الأمر المفاجئ أن هذه الأنفاق طال وقتها حتى اكتشفها الإسرائيلي". وقال إن أحد الأنفاق "يعود إلى 14 عاماً، داخل فلسطين المحتلة، ولكن الاستخبارات الإسرائيلية وتقنياتها لم تكتشف هذا النفق".
من مخبأ للمقاتلين إلى بنية عسكرية كاملة
وفي عقيدة "حزب الله" العسكرية فكرة الأنفاق ليست جديدة، وتعود خبرته معها إلى ما قبل حرب يوليو (تموز) 2006، لكنها تطورت بصورة كبيرة بعد تلك الحرب.
وفي دراسة منشورة في (Modern War Institute) الأكاديمية العسكرية الأميركية في "ويست بوينت"، فبراير (شباط) 2024، يشار إلى أن "حزب الله" استخدم الأنفاق بكثافة خلال حرب 2006، وتنقل دراسة عن مؤسسة "راند"(RAND) الأميركية للبحوث والسياسات، وصفها لتحصينات وصلت إلى عمق نحو 40 متراً وشملت مراكز عمليات ومستودعات ذخيرة، ومرافق طبية، وغرف إقامة، وأنظمة تهوية، ومياهاً ساخنة وباردة، تحت طبقات سميكة من الخرسانة المسلحة. وتكشف هذه التفاصيل المهمة، عن أن فكرة تحويل باطن الأرض إلى مساحة عسكرية موازية، ليست نتيجة حرب غزة وليست تطوراً حديثاً، ذلك أنه وبعد 2006 أصبح ما تحت الأرض جزءاً أساساً من الاستراتيجية العسكرية للحزب، وقد يكون السبب واضحاً.
فإسرائيل تمتلك تفوقاً جوياً واستخباراتياً كبيراً، وكل منشأة فوق الأرض يمكن كشفها وضربها، لذلك توفر الجبال والأنفاق وسيلة لإخفاء الصواريخ والمقاتلين ومراكز القيادة، وتحريكهم بعيداً من الطائرات والمسيّرات. وطبيعة جنوب لبنان الجبلية والصخرية تجعل هذه المنشآت مختلفة عن أنفاق غزة، فحفر الصخور يحتاج إلى معدات ووقت وتمويل وهندسة، لكنه في المقابل ينتج منشآت أكثر صلابة وقدرة على تحمل الضربات.
وهنا يبدأ السؤال الذي لم يُطرح لبنانياً بما يكفي، إذا كانت هذه المنشآت تحتاج إلى أعوام للحفر، وإلى معدات ثقيلة وكهرباء ومواد بناء وخرسانة وآليات لنقل الصخور والردميات وعمال ومهندسين وتمويل، فكيف أُنشئت كل هذه البنية من دون أن تعرف الدولة؟ أم أنها كانت تعرف؟
أكثر من 50 فتحة… ثم 74 نفقاً يجدها الجيش اللبناني
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وبعد بدء العمليات البرية الإسرائيلية في الجنوب، قالت إسرائيل إنها عثرت على أكثر من 50 فتحة أنفاق ودمرتها، إضافة إلى مخازن أسلحة ومواقع إطلاق. وأشارت وسائل الإعلام إلى أن الأنفاق التي ظهرت كانت مجهزة بالإضاءة والتهوية، وأحياناً بشبكات المياه، بما يسمح بالبقاء فيها لفترات طويلة. لكن الرقم الأكثر دلالة جاء لاحقاً من قبل الجيش اللبناني نفسه. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، اصطحب الجيش عشرات الصحافيين اللبنانيين والدوليين إلى منطقة جنوب الليطاني، وقال ضباط الجيش إن عناصره اكتشفت، منذ تكثيف عملياتها في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، 74 نفقاً و175 منصة إطلاق صواريخ و58 صاروخاً، وتنقل هذه المعلومة وحدها الملف إلى مكان آخر تماماً، لأن ليست إسرائيل التي تقول إن هناك شبكة أنفاق، بل الجيش اللبناني.
وفي "وادي زبقين" تحديداً، دخل الصحافيون برفقة الجيش اللبناني إلى نفق محفور داخل جبل بطول يقارب 100 متر، كان يستخدمه "حزب الله"، وفي داخله ظهرت عيادة طبية صغيرة ونظام تهوية وكابلات كهرباء وخزانات مياه وكميات من الطعام المعلب، وهذا ليس مخبأً حُفر على عجل أثناء الحرب، إنه منشأة معدة للعمل والإقامة تحت الأرض.
"الشقيف"... عندما يصبح الجبل قاعدة
ثم جاء ما ظهر في منطقة الشقيف ليعطي فكرة عن مستوى أكبر من التحصين، وفي يوليو الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه عثر تحت تلال الشقيف على شبكة واسعة تضم أماكن إقامة، ومرافق وخدمات، وبنية قيادة، ومستودعات أسلحة وغرفة عمليات طبية، إضافة إلى أسلحة مضادة للدروع وصواريخ مضادة للطائرات وعبوات. وقال بيان مشترك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، إن الجيش الإسرائيلي دمر أنفاقاً أسفل قلعة الشقيف في جنوب لبنان، وذلك رداً على ما وصفاه بخرق "حزب الله". وأضاف البيان أن الجيش استخدم 700 طن من المتفجرات لنسف الأنفاق في قلعة الشقيف، مؤكداً أن إسرائيل "لن تقبل بأي انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار".
وأشارت "الوكالة الوطنية للإعلام" اللبنانية الرسمية حينها، إلى أن القوات الإسرائيلية نفذت "واحدة من أضخم عمليات التفجير الممنهجة والإجرامية"، حيث هز عند منتصف ليل الخميس – الجمعة، الـ30 والـ31 من يوليو، "مناطق الجنوب دوي تفجير غير مسبوق نفذه العدو في المنطقة الواقعة بين قلعة الشقيف والأطراف الشرقية لبلدة يحمر الشقيف، وتسبب بارتجاجات هائلة وأصوات سمعت حتى منطقتي إقليم الخروب وخلدة (في جبل لبنان)، أثارت أجواء من التوتر والقلق لدى المواطنين". وأظهرت المشاهد الصباحية، بحسب "الوكالة الوطنية للإعلام"، حجم ما تسبب به تفجير "الشقيف"، إذ إن "مسافة 1200 متر، تمتد من الطرف الجنوبي للقلعة باتجاه الجنوب نحو يحمر الشقيف، تغيرت معالمها بالكامل، وتحديداً مناطق جوار الدرنكية ومرج السلطان وعريض الهوا، وهي مرتفعات صخرية وأراضٍ زراعية وعليها بعض المنازل وتتبع عقارياً لبلدة يحمر الشقيف".
بدوره أعلن "المركز الوطني للجيوفيزياء" التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان في بيان، أنه "عند الساعة 12:02 من فجر يوم الجمعة الـ31 من يوليو، سُجلت على جميع محطاته الزلزالية موجات أرضية ناتجة من التفجير الذي قام به العدو الإسرائيلي في منطقة الشقيف، والذي يمكن تشبيهه بهزة أرضية قوتها 3.8 درجة على مقياس ريختر". من هنا فإن تكرار العثور على هذه المنشآت في قرى ومناطق مختلفة يعني أن القضية لا يمكن اختصارها بموقع واحد أو "نفق استثنائي".
هل هناك فعلاً شبكة تمتد في كل لبنان؟
هنا يجب التفريق بين ما نعرفه وما يقال، وهناك أدلة قوية على شبكة واسعة في الجنوب، وهناك أيضاً تقارير وخبراء تحدثوا عن منشآت تحت الضاحية الجنوبية لبيروت وعلى الحدود اللبنانية–السورية.
"أرض الأنفاق"
في تحقيق نشرته وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية، في أكتوبر 2024، يبرز الحديث عن أن "حزب الله" بنى شبكة أنفاق في مناطق عدة من لبنان. ويقول إنه في ظل التفوق الكبير للقوة الجوية الإسرائيلية على دفاعات "حزب الله"، لجأ الحزب إلى الأنفاق تحت الأرض وسيلةً لتفادي الطائرات والمسيّرات الإسرائيلية، ويقول خبراء إن أنفاق "حزب الله" ليست محصورة في الجنوب.
وينقل التحقيق عن تال بئيري، وهو مدير الأبحاث في مركز "ألما" للأبحاث والتعليم، وهو مركز أبحاث يركز على أمن شمال إسرائيل ويدرس "حزب الله"، قوله "إنها أرض الأنفاق"، وتقول إيفا كولوريوتيس، وهي محللة سياسية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط والجماعات المسلحة، إن الأنفاق تمتد تحت الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث توجد مراكز القيادة والسيطرة التابعة لـ"حزب الله" وحيث يحتفظ بمخزون من الصواريخ الاستراتيجية. وتضيف أن الحزب يحتفظ أيضاً بأنفاق على طول الحدود مع سوريا يستخدمها لتهريب الأسلحة والإمدادات الأخرى من إيران إلى لبنان. أما في جنوب لبنان، فيحتفظ "حزب الله" بأنفاق لتخزين الصواريخ وإطلاقها، بحسب كولوريوتيس. وقد قُتل بعض الإسرائيليين، من بين أكثر من 50 إسرائيلياً قتلهم "حزب الله" خلال العام الماضي، بصواريخ مضادة للدروع، وفقاً لتقرير "أسوشيتد برس".
ويتابع التحقيق أنه وخلافاً للأنفاق التي حفرتها "حماس" في تربة غزة الساحلية الرملية، نُحتت أنفاق "حزب الله" في جنوب لبنان داخل الصخور الصلبة، وهي عملية يُرجح أنها تطلبت وقتاً وأموالاً وآليات وخبرات. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن إسرائيل، اعتماداً على معلومات استخباراتية سابقة، عثرت على "مئات ومئات ومئات" المواقع تحت الأرض، يستطيع كثير منها استيعاب نحو 10 مقاتلين وكانت مجهزة بالمؤن. وتحدث المسؤول شرط عدم الكشف عن هويته وفقاً للقواعد العسكرية، وقال إن القوات كانت تفجر الأنفاق التي تعثر عليها أو تستخدم الأسمنت لجعلها غير قابلة للاستخدام. وكان الحزب قد استخدم الأنفاق خلال حربه مع إسرائيل التي استمرت شهراً عام 2006، لكن الشبكة توسعت منذ ذلك الحين، على رغم أن قرار وقف إطلاق النار الصادر عن الأمم المتحدة ألزم القوات الحكومية اللبنانية وقوات الأمم المتحدة بإبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الجنوب. وفي منتصف أغسطس (آب) من عام 2024، نشر "حزب الله" مقطع فيديو أظهر ما بدا أنه نفق ضخم تحت الأرض، واسع إلى درجة تسمح بمرور شاحنات محملة بالصواريخ داخله. وظهر عناصر من الحزب يقودون دراجات نارية داخل النفق المضاء، الذي أُطلق عليه اسم "عماد 4"، نسبة إلى القائد العسكري للحزب عماد مغنية، الذي قُتل في سوريا عام 2008 في انفجار نُسب إلى إسرائيل.
إذاً يقول تحقيق "أسوشيتد برس" إن شبكة أنفاق "حزب الله" عملياً لا تقتصر على جنوب لبنان، بل يتحدث خبراؤه عن ثلاثة نطاقات أساسية، الأولى الجنوب، حيث تُستخدم الأنفاق لتخزين الصواريخ وإطلاقها وإيواء المقاتلين، والنقطة الثانية الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد معقل الحزب الأساس وهي مرتبطة بالقيادة والسيطرة وتخزين الصواريخ الاستراتيجية، والثالثة الحدود اللبنانية–السورية، حيث توجد أنفاق تُستخدم في نقل السلاح والإمدادات الآتية من إيران، وذلك وفق تقارير عدة نُشرت في الإعلام المقروء والمسموع.
والنقطة الأهم أن أنفاق الجنوب محفورة داخل الصخور الصلبة، مما يعني أن إنشاءها احتاج إلى أعوام وتمويل وآليات وخبرات هندسية، والشبكة تعود إلى ما قبل حرب 2006، لكنها توسعت بعدها. أما "عماد 4"، فهو الدليل الذي قدمه "حزب الله" نفسه على حجم بعض هذه المنشآت، أنفاق مضاءة وواسعة تسمح بمرور شاحنات محملة بالصواريخ ودراجات نارية. وكانت السفارة الإيرانية لدى بيروت علقت على الفيديو الذي نشره الحزب، لمنشأة "عماد 4" بالقول إنه "في اللغة الفارسية، نطلق على المنشآت الصاروخية الموجودة تحت الأرض وداخل الصخور والجبال تسمية 'مدن الصواريخ'".
"مدن الصواريخ"
في دراسة أعدها مركز أبحاث "ألما" الإسرائيلي نُشرت عام 2021 بعنوان "أرض الأنفاق"، أشير إلى أن "حزب الله" أصبح يمتلك شبكة متشعبة وعملاقة من الأنفاق، تمتد مئات الكيلومترات وتقطع الحدود الشمالية لإسرائيل وبعضها قد يصل إلى سوريا.
وبحسب تقرير "ألما"، تربط شبكة الأنفاق بين ثلاثة مراكز عملياتية مهمة، هي مقر "حزب الله" الرئيس في ضاحية بيروت، والمواقع الدفاعية في الجنوب اللبناني، ومركز العمليات اللوجيستية في منطقة البقاع. ويسود اعتقاد لدى باحثين إسرائيليين بأن مشروع "أرض الأنفاق" الخاص بـ"حزب الله"، شارك في تطويره مستشارون عسكريون من كوريا الشمالية عام 2000. ووفقاً للمصادر ذاتها، وفرت كوريا الشمالية، بخبرتها الواسعة في بناء المنشآت العسكرية تدريباً لبعض الفرق الخاصة التابعة لـ"حزب الله" حول شق الأنفاق وطبيعة الأجهزة والتكنولوجيا الهندسية اللازمة للقيام بذلك.
وتشير دراسات عدة من بينها دراسة معهد "دراسات الحرب الحديثة" الأميركي، في فبراير 2024، إلى أن "حزب الله" شرع في بناء شبكة أنفاقه منذ النصف الأول من الثمانينيات، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982، مما دفع الحزب إلى إطلاق موجات مقاومة شرسة استخدم فيها شبكة أنفاق بدائية للقيام بكمائن نوعية، حتى أجبر الاحتلال على الانسحاب عام 2000.
وتبعاً للمعطيات، لم يعد اليوم ممكناً التعامل مع السؤال باعتباره افتراءً من الأساس، ولم يعد السؤال هل يمتلك "حزب الله" أنفاقاً؟ لأن هذا أصبح ثابتاً.
وتتركز الأسئلة الأساسية على أين حفرها؟ وهل تمر تحت أملاك خاصة؟ وهل تمر تحت طرق؟ وهل اقتربت من شبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والكهرباء؟ وهل توجد منشآت عسكرية أسفل أحياء سكنية؟ ومن منح الحزب حق استخدام باطن الأرض اللبنانية لمشروع عسكري لا يخضع للدولة؟
وبعد كل ما ظهر عن حجم المنشآت تحت الأرض، لم يعد السؤال عن وجود مسارات تحت مناطق حساسة في بيروت سؤالاً خيالياً يمكن إسقاطه بالسخرية، بل يجب على الدولة أن تحقق فيه، وتجري المسوحات التقنية والجيوفيزيائية، ثم تعلن عن النتيجة، فإما أن تثبت عدم وجود شيء وينتهي الأمر، أو يظهر غير ذلك. وهذا هو دور الدولة، لا ترك اللبنانيين بين رواية "حزب الله" ورواية إسرائيل.
طرق إمداد "حزب الله" تتعثر بسوريا والوكلاء في مأزق
كيف حُفرت كل هذه الأنفاق؟ وهذه ربما أهم نقطة في الملف كله، فالنفق الذي يسمح بمرور شاحنة محملة بالصواريخ ليس حفرة صغيرة يمكن إخفاء عملية إنشائها، وحفر الجبال يعني استخراج كميات كبيرة من الصخور، وهذا يعني معدات وشاحنات وكهرباء وتهوية ومواد بناء، ويعني أعمالاً هندسية استمرت لأعوام. وعندما نتحدث عن عشرات الأنفاق التي اكتشفها الجيش اللبناني، ومواقع أخرى دمرتها إسرائيل، فنحن نتحدث عن مشروع بنية تحتية عسكرية كاملة.
وهنا لا يعود السؤال تقنياً فقط، إنه سؤال سيادي، كيف يمكن أن تُنشأ بنية بهذا الحجم في دولة يفترض أنها صاحبة السلطة على أرضها؟ وكيف يمكن لحزب أن يعرف باطن الجبال والقرى أكثر مما تعرفه المؤسسات الرسمية؟ وكيف يمكن أن يصبح لدى تنظيم مسلح خرائط تحت الأرض قد لا تكون موجودة حتى لدى الدولة التي تقع هذه الأرض ضمن حدودها؟
إذاً المشكلة ليست بالنفق بل بالدولة التي كانت فوقه، وربما تكون هذه هي الخلاصة الأساسية. والأنفاق ليست القضية الوحيدة، القضية أن لبنان عاش لعقود فوق بنية عسكرية موازية لم يكن يملك قرارها. فوق الأرض كانت هناك دولة بوزارات وبلديات وأجهزة أمنية وجيش، وتحت الأرض كانت هناك دولة عسكرية أخرى لها مستودعاتها، ومراكز قيادتها، وطرقها، واتصالاتها، ومقاتلوها، وصواريخها، وهذا تحديداً هو جوهر مشكلة "حزب الله" مع الدولة اللبنانية.
الدولة دخلت بعض الأنفاق… فلماذا لا تكمل؟
ولا يمكن القول إن الدولة لم تفعل شيئاً، إذ تحرك الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وانتشر في مناطق كانت عملياً خارج حضوره، وأغلق معابر، وضبط أسلحة، ودخل أنفاقاً وفكك مواقع عسكرية. وفي يناير الماضي أعلن أنه حقق هدف السيطرة العملياتية جنوب لبنان، وإن بقي خلاف كبير مع إسرائيل حول مدى اكتمال نزع سلاح الحزب. وإذا استطاع الجيش العثور على 74 نفقاً في مرحلة محدودة وفي منطقة محددة، فكم نفقاً لم يصل إليه بعد؟ وماذا يوجد شمال الليطاني؟ وماذا يوجد في البقاع؟ وماذا يوجد في الضاحية؟ ومن يملك الخرائط؟
والأهم أن الجيش نفسه أوضح أنه لا يدخل المنازل للتفتيش من دون أمر قضائي، إلا في حالات الجرم المشهود، وهنا يصبح القرار سياسياً وقضائياً أيضاً.
وإذا كانت الدولة قررت فعلاً حصر السلاح بيدها، فلا يمكن أن يتوقف هذا القرار عند الأسلحة التي يمكن رؤيتها فوق الأرض، فالسلاح تحت الأرض هو سلاح أيضاً، ومركز القيادة تحت الأرض جزء من البنية العسكرية، ومخزن الصواريخ تحت الأرض لا يصبح أقل مخالفة لسيادة الدولة لأنه مخفي، لأن المسألة لا تتعلق بالسلاح وحده، ذلك أنه إذا مرت هذه المنشآت تحت أملاك خاصة، أو منشآت عامة، أو طرق، أو شبكات مياه، أو كهرباء، أو اتصالات، فهناك حقوق للدولة وحقوق للمالكين وحقوق لمواطنين، ربما عاشوا أعواماً فوق منشآت عسكرية من دون أن يعرفوا بوجودها.
في المحصلة، لا تكمن خطورة مدن "حزب الله" تحت الأرض في حجمها أو عددها فقط، بل في أنها تختصر طبيعة العلاقة التي حكمت الحزب بالدولة طوال عقود، دولة فوق الأرض، وبنية عسكرية موازية تحتها، لكل منهما سلطتها وخرائطها وحساباتها.
من هنا، فإن الاختبار الحقيقي لاتفاق الإطار ليس في عدد الاجتماعات ولا في البيانات السياسية، بل في قدرة الدولة على معرفة ما يوجد على أرضها وتحتها. وإذا كانت بيروت جادة في استعادة قرار الحرب والسلم، فعليها أن تطلب من "حزب الله" خريطة كاملة لأنفاقه ومنشآته، وأن تضعها تحت سلطة الجيش، لا أن تنتظر أن تكشفها إسرائيل نفقاً بعد آخر.
فلا يمكن للبنان أن يطالب الآخرين بالاعتراف بسيادته فيما تبقى أجزاء من أراضيه خارج معرفته وسلطته، والسيادة التي يريد استعادتها في الجنوب لا تتوقف عند الحدود ولا عند سطح الأرض، فإما أن تكون للدولة سيادة على ما فوق الأرض وما تحتها، أو تبقى سيادة منقوصة تمنح إسرائيل في كل مرة سبباً جديداً للبقاء.
سوسن مهنا - اندبندنت عربية






