اجتمع المشرّعون الأميركيون تحت قبة مبنى الكابيتول، الثلاثاء، تكريماً للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، في بداية يوم حداد شارك في مراسمه الرئيس دونالد ترامب، ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وحمل عسكريون نعش غراهام المغطى بالعلم الأميركي، وصعدوا ببطء على درجات مبنى الكابيتول، قبل أن يدخلوا إلى القاعة المستديرة. وتبعتهم شقيقته الصغرى دارلين غراهام، التي عُيّنت لشغل مقعده في مجلس الشيوخ مؤقتاً بعد وفاته المفاجئة هذا الشهر عن عمر ناهز 71 عاماً. ودخل أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في موكب خلف تيم سكوت، الجمهوري الذي يُمثّل على غرار غراهام ولاية كارولاينا الجنوبية. وتجمّع مسؤولون في إدارة ترمب، ونواب عن الولاية، وضيوف آخرون، لحضور المراسم والاستماع إلى كلمات التأبين التي أشادت بخدمة غراهام العسكرية وبأكثر من 3 عقود قضاها في الكونغرس.
وكان غراهام قد انتُخب للمرة الأولى عضواً في مجلس النواب خلال «الثورة الجمهورية» عام 1994، التي أعادت الحزب إلى السيطرة على الكونغرس. وكان من أوائل الجمهوريين الذين مثّلوا ولاية كارولاينا الجنوبية منذ مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب الأهلية الأميركية.
وبرز سريعاً بعد اختياره واحداً من أعضاء مجلس النواب الذين تولّوا عرض قضية عزل الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، قبل أن يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ عام 2002. وهناك، أقام تحالفاً وثيقاً مع الجمهوري جون ماكين، والمستقل جو ليبرمان، وعُرف الثلاثة باسم «الأصدقاء الثلاثة» بسبب رحلاتهم المتكررة إلى مناطق النزاع وتركيزهم على قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.
سياسي «جريء»
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن غراهام كان «سياسياً ودوداً واجتماعياً»، وخاض نقاشات «حماسية وجريئة» مع خصومه. وقال فانس، الذي قضى عامين في مجلس الشيوخ، إن «ليندسي غراهام أحب الناس من كل الفئات... أعتقد أن ذلك يعود جزئياً إلى نشأته، ولأنه لم يحصل على كل ما أراد بسهولة».
وفقد غراهام والدته بمرض سرطان الغدد اللمفاوية بينما كان طالباً جامعياً، ثم توفي والده بعد أشهر، مع بداية الفصل الأول من دراسته القانون. وأصبح إثر ذلك وصياً على شقيقته دارلين، التي كانت تبلغ 13 عاماً، واستفاد الشقيقان من إعانات الضمان الاجتماعي، التي قال لاحقاً إنها ساعدتهما على تجاوز الأزمة المالية، كما ذكر تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».
ولم يتزوج غراهام، وظل قريباً من شقيقته التي عيّنها حاكم كارولاينا الجنوبية لشغل مقعده حتى إجراء انتخابات خاصة. وتخوض دارلين حالياً سباقاً قد يضم عدداً من المرشحين للاحتفاظ بالمقعد، على أن تُجرى الانتخابات التمهيدية في 11 أغسطس (آب).
وتُقام خدمتان رئيسيتان في واشنطن، الثلاثاء، لتكريم غراهام الذي توفي بسبب مضاعفات مرتبطة بأمراض القلب. ويتوقع بأن يلقي ترمب خطاب تأبين في أثناء جنازة في كاتدرائية واشنطن الوطنية. وسيحضر كذلك الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو أمر يعكس دور غراهام كأحد أبرز المدافعين في واشنطن عن البلدين.
«يحبّ الحروب»
وسبق حضور زيلينسكي ونتنياهو المراسم، عقد اجتماعين منفصلين في البيت الأبيض مع ترمب، يأتيان في لحظات حاسمة سواء بالنسبة لحرب إيران أو حرب أوكرانيا. وبعد اختتام مراسم الجنازة، يجتمع زيلينسكي مع أعضاء في مجلس الشيوخ قبيل تصويت أولي على تشديد العقوبات المفروضة على روسيا، وهو تشريع قضى غراهام أكثر من عام وهو يدافع عنه.
وكانت حزمة العقوبات على موسكو بمثابة المهمة السياسية الأخيرة لغراهام. فقبل أيام من وفاته، نجح في انتزاع دعم ترمب لمشروع مشترك بين الحزبين، يُعد من أقوى المحاولات الأميركية حتى الآن لتقييد قدرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مواصلة الحرب في أوكرانيا. ودعا عدد من أعضاء مجلس الشيوخ إلى إقرار المشروع سريعاً؛ تكريماً لغراهام.
وكان غراهام من أشد المدافعين في الكونغرس عن دور عسكري أميركي حاسم في الخارج، فأيّد التدخل ضد إيران ودعم بشدّة إسرائيل وأوكرانيا. وأقرّ ترمب، صباح الثلاثاء، في تصريحات لـ«فوكس نيوز»، بأن غراهام كان يتبنى «مواقف قوية جداً في المجال العسكري». وقال ترمب: «أحب ليندسي الحروب... لم تكن هناك حرب لم تعجبه».
وسبق لغراهام أن خدم في سلاح الجو الأميركي محامياً عسكرياً، ثم واصل خدمته لعقود في قوات الاحتياط والحرس الوطني. وخلال حرب العراق، عاد لفترة وجيزة إلى الخدمة الفعلية لتقديم المشورة القانونية لسلاح الجو، وحصل على وسام النجمة البرونزية عام 2014، قبل أن يتقاعد رسمياً برتبة عقيد في العام التالي.
«هامس ترمب»
وعلى مدى عقود، كان غراهام في صلب التحالفات العابرة للحزبين داخل الكونغرس، وأظهر قدرة متواصلة على التكيف مع التحولات السياسية، ولا سيما علاقته المتقلبة بترمب، وفق «أسوشييتد برس».
فخلال الانتخابات التمهيدية الجمهورية عام 2016، وصف غراهام منافسه آنذاك بأنه «غريب الأطوار» و«غير مؤهل لتولي المنصب». لكنه تقرّب منه تدريجياً بعد فوزه بالرئاسة، وأصبح من أبرز حلفائه في مجلس الشيوخ.
وتعرضت العلاقة لانتكاسة عقب اقتحام أنصار ترمب مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، حين أعلن غراهام في خطاب غاضب داخل المجلس: «اعتبروني خارج هذا الأمر... لقد طفح الكيل». لكن ترمب دعاه بعد أسابيع إلى منتجعه في مارالاغو بفلوريدا، فعاد التحالف بينهما، قبل أن يتوثق مجدداً مع فوز ترمب بولاية ثانية عام 2024.
وأصبح غراهام، وفق توصيف السيناتور الديمقراطي آدم شيف، «هامس ترمب»؛ إذ كان أعضاء مجلس الشيوخ، حتى بعض قادة العالم، يلجأون إليه لفهم طريقة تفكير الرئيس ومواقفه. وقد منحته هذه العلاقة نفوذاً مكّنه في أيامه الأخيرة من إقناع ترمب بدعم العقوبات الجديدة على روسيا.
وشغل غراهام مقعداً في مجلس النواب، قبل أن يُنتخب في مجلس الشيوخ عام 2002، وأصبح صوتاً بارزاً في مجال السياسة الخارجية والشؤون العسكرية، وظل حتى وفاته واحداً من أكثر الداعين إلى استخدام النفوذ والقوة الأميركيين في الخارج.






