لم يعد لبنان على حافة الحريق الإقليمي، بل أصبح في قلبه. النار تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، والصواريخ والمسيّرات تستهدف دول الخليج العربي، وناقلات النفط تحولت إلى أهداف عائمة، فيما تتساقط أوهام التسويات الواحدة تلو الأخرى. أما لبنان، المنهك بالحروب والاحتلال والتهجير، فما زال بعض أبنائه يتصرفون وكأن في إمكانهم مواصلة اللعب بالنار، من دون أن يحترق الوطن بمن فيه!
فشل مفاوضات إسلام آباد لم يكن تعثراً ديبلوماسياً عابراً، بل إنذاراً بأن المواجهة الأميركية ــ الإيرانية دخلت مرحلة أشد خطورة. واشنطن تريد إخضاع طهران لشروطها، وإيران تحاول كسر الحصار وتحسين موقعها التفاوضي عبر استنفار ما تبقى من أذرعها. وبين المشروعين تقف دول المنطقة، وفي مقدمها السعودية ودول الخليج ولبنان، فوق برميل بارود قد ينفجر عند أول خطأ في الحسابات.
ومع ذلك، يستمر في لبنان السجال العبثي نفسه: أكثرية شعبية وسياسية تطالب بدولة حقيقية تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتحمي حدودها بواسطة جيشها الوطني؛ وأقلية سياسية مسلحة تصرُّ على مصادرة القرار الوطني، متذرعة بشعار المقاومة، وكأن الدمار الذي حلّ بالجنوب والبقاع والضاحية لم يكن كافياً، وكأن القرى المدمرة ومواكب المهجرين، مجرد تفاصيل يمكن شطبها بخطاب تعبوي جديد!
ماذا يعني السلاح عندما تصبح بيئته أول الضحايا؟ وأي حماية تنتهي باحتلال الأرض، وتدمير القرى وتهجير أهلها، وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بين طهران وواشنطن وتل أبيب؟
الحقيقة التي لم يعد يجوز الهروب منها هي أن السلاح الخارج على سلطة الدولة لم يحم لبنان، بل عطّل دولته وشرّع حدوده، ومنح إسرائيل ذرائع لتوسيع عدوانها. وهذا لا يبرئ العدو الإسرائيلي من جرائمه واحتلاله وعربدته، لكنه يفرض السؤال القاسي: إلى متى نقدّم له الذريعة، ثم نكتفي بتعداد خسائرنا فوق الأنقاض؟
لقد أثبتت التجارب الدامية أن ربط الجبهة اللبنانية بالجبهة الإيرانية لم ينقذ إيران، ولم يردع إسرائيل، ولم يحمِ لبنان. كل ما حققه أنه حوّل اللبنانيين، وخاصة بيئة الحزب نفسه، إلى وقود مجاني في حرب لا يملكون قرار بدايتها ولا نهايتها. وأي إصرار على استمرار هذا الربط بعد الكارثة يصبح مكابرة خطرة ومقامرة بما تبقى من وطن.
الأخطر أن طهران، تحت ضغط الحرب والحصار، تحاول توسيع رقعة المواجهة من العراق إلى اليمن. فبعد اضطراب الملاحة في هرمز، تقدّم الحوثيون نحو باب المندب، وسيطروا على جزيرة ميون ومواقع ساحلية استراتيجية، بما يهدد بوضع اثنين من أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية داخل كماشة واحدة.
ولا بد هنا من إدانة لبنانية وعربية صريحة، لا تحتمل المسايرة أو المواربة، للاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، واستهداف الأعيان المدنية والاقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وما أسفرت عنه من إصابة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
هذه ليست «عمليات إسناد» ولا أعمال مقاومة، بل اعتداءات سافرة على دولة عربية، وتهديد مباشر لأمن مواطنيها والمقيمين فيها، ومحاولة مكشوفة لنقل الحرب الإيرانية إلى الأراضي السعودية. ولا يمكن تبرير استهداف المدن والمنشآت الاقتصادية بأي شعار، كما لا يجوز القبول بتحويل اليمن إلى منصة صاروخية تستخدمها طهران لابتزاز المملكة ودول الخليج والمجتمع الدولي.
أما اندفاعة الحوثيين نحو باب المندب فقد تنقلب وبالاً عليهم وعلى اليمن، لأن تهديد حرية الملاحة وطرق الطاقة لن يبقى شأناً يمنياً داخلياً، بل قد يستدعي تحالفاً دولياً واسعاً لإعادة فتح الممرات البحرية بالقوة. وعندها لن تكون الجزر ورقة قوة إيرانية، بل شرارة حرب جديدة يدفع الشعب اليمني ثمنها دماً ودماراً وجوعاً.
لبنان اليوم أمام لحظة الحقيقة الأخيرة. لم يعد مقبولاً الاحتماء بالشعارات، أو اختطاف القرار السيادي، أو جرّ شعب بأكمله إلى محارق المحاور. الدفاع عن لبنان يبدأ من الدولة، والجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة المخوّلة حمل السلاح وحماية الحدود.
إما دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وقرار واحد؛ وإما وطن يحترق في لهيب الآخرين.
صلاح سلام - اللواء






