Dec 9, 2025 4:02 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

منسى: كلفة اللامسؤولية والفساد دفعت بالبلاد إلى واحدة من أسوأ أزماتها

كتب أنطوان منسى، الرئيس السابق مؤسس مجلس رجال الأعمال اللبنانيين - الفرنسيين في فرنسا:

على الرغم من اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 والاعتداءات التي شهدها لبنان عام 2006، سجّل الاقتصاد اللبناني نمواً حقيقياً بلغ 9% بين عامي 2007 و2010. في تلك المرحلة، حظي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بمكانة لافتة، إذ وُضع في مصافّ “أبطال الجمهورية” في لبنان والعالم العربي، وتصدّر أغلفة الصحف في الشرق والغرب. وقد استقطب حضوراً استثنائياً في 2 آذار 2009 حين دُعي إلى قرع جرس بورصة نيويورك إيذاناً ببدء جلسة التداول.

وللتذكير، فقد عُيّن سلامة حاكماً لمصرف لبنان في الأول من آب 1993، وأُعيد تعيينه أربع مرات (1999، 2005، 2011 و2017) نتيجة السياسات النقدية التي وُصفت حينها بالرشيدة. كما نجح في حماية لبنان من تداعيات أزمة الرهن العقاري التي ضربت الولايات المتحدة عامي 2007-2008 وانعكست سلباً على الاقتصاد العالمي.

وبتوجيه من الحكومات المتعاقبة، حافظ سلامة على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية حتى عام 2019، رغم الاضطرابات السياسية المتلاحقة. لكن مع انتفاضة تشرين 2019، واحتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري، وتخلّف الدولة عن سداد ديونها، تحوّل الحاكم إلى الهدف الأول للاتهامات، فيما كان قرار حكومة حسّان دياب بالتخلّف عن السداد — عن قناعة أو تحت الضغط — هو الذي أدخل البلاد في مسار الانهيار وترك المؤسسات المالية في مواجهة استحقاقات داهمة دون أي غطاء.

في خضم هذه الفوضى، سارعت القوى السياسية إلى التملّص من مسؤولياتها، موجّهة الرأي العام نحو مصرف لبنان عبر المنابر الإعلامية. وتناسَت — عمداً أو غفلةً — أن مليوناً ونصف مليون نازح سوري دخلوا لبنان منذ 2011 دون إدارة أو ضبط حقيقي. وتجاهلت كذلك مسار التهريب المنظم للسلع الأساسية المدعومة: من المحروقات إلى الغذاء والدواء، والتي عبرت الحدود من دون رادع وبعلم العديد من الجهات الرسمية، ليُعاد بيعها بأسعار مرتفعة في الخارج.

كما امتنعت هذه القوى عن وقف التهريب إلى سوريا، وملأت القطاع العام بأكثر من 30 ألف وظيفة وهمية بين 2014 و2018 خدمةً لأهداف انتخابية. وأبقت البلاد سنوات طويلة بلا رئيس للجمهورية، وتسببت بخسائر تُقدَّر بنحو 45 مليار دولار في قطاع الكهرباء. وكانت أيضاً وراء انتفاضة تشرين التي أتاحت لبعض السياسيين تعزيز نفوذهم في ظل غياب أي ضوابط على حركة الرساميل، ما أدى إلى تهريب مليارات الدولارات. ولم تتوقف مسؤولياتها عند هذا الحد، بل امتدت إلى الأزمة الصحية، وإلى الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، وإلى التلاعب المنظّم بسعر الصرف عبر شبكات محمية سياسياً، قبل أن تتحول حملة التصويب نحو سلامة إلى دعوات معلنة لـ«إسقاطه».

وتجاهلت تلك القوى أيضاً أن سلامة، وبناءً على طلبها، اضطرّ إلى اللجوء إلى عمليات “السواب” لتمويل رواتب القطاع العام ريثما تُنفّذ مقررات مؤتمر “سيدر”. رغم أن هذه القوى نفسها كانت وراء إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي كلّفت الخزينة أكثر من ملياري دولار، ووراء إفشال “سيدر” بسبب غياب الإصلاحات المطلوبة. هكذا تحوّل الأمر إلى ما يشبه “الاستهداف العلني”، الذي انتهى بتحمُّل سلامة وحده وزر الانهيار.

وعندما انكشفت حقيقة غياب الدولة شبه الكامل خلال الأعوام الأخيرة، بدا واضحاً أن المصرف المركزي كان المؤسسة الوحيدة التي واصلت إدارة الأزمة اليومية. ومع الوقت، يُتوقع أن يتضح أنّ ما تعرّض له الحاكم كان حكماً سياسياً بالدرجة الأولى، وأن إقصاءه جاء نتيجة رفضه الخضوع لمنظومة السلطة.

وحين امتنعت الدولة للمرة الأولى في تاريخ لبنان عن سداد استحقاقات اليوروبوند، عاش اللبنانيون صدمة كبرى. واليوم، وبعد سلسلة طويلة من الأخطاء الفادحة، تتضح كلفة اللامسؤولية والفساد وسوء الإدارة التي دفعت بالبلاد إلى واحدة من أسوأ أزماتها، تاركة شعباً منهكاً مكسور الظهر، دفع ثمن ما جرى في الكواليس السياسية من صفقات وحسابات ضيقة.

 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o