11:52 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

مقايضة السيادة بالبقاء: من "فك اشتباك 1974" إلى "تسهيلات أمنية 2026"

د. زينة منصور 

​تكشف التسريبات الأخيرة للتفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، عبر القنوات التي جمعت رئيس الموساد رومان غوفمان بوزير الخارجية أسعد الشيباني في العاصمة الاردنية عمان، عن حجم التواصل بين النظام الانتقالي في سوريا وإسرائيل. إن ما يشهده المشرق اليوم ليس ترتيبات أمنية، بل انتقال تدريجي من "اتفاقية فك الإشتباك" لعام 1974 التي هندسها حافظ الأسد، إلى الإلتحاق باتفاقيات إبراهيم لعام 2020، عبر صيغة تجعل من المفاهيم السيادية في المشرق كله مجرد لافتة شكلية.

​تتجلى إزدواجية المرحلة الإنتقالية في المفارقة التالية: بينما تخوض إدارة "ألشرع - الشيباني" تفاوضاً مباشراً يهب القدرات الأمنية للطرف الإسرائيلي، تخوض في الوقت نفسه حملة تخوين ضد أبناء الباشان السويداء. إن الدروز في الجنوب السوري لم يفعلوا سوى الحديث في العلن عن الوقائع الجيو-سياسية التاريخية الحضارية ذاتها التي يمارسها النظام الإنتقالي خلف الأبواب. فالمناداة بالفيدرالية او الكونفيدرالية وحماية الجنوب السوري أصبحت تهمة يُلصقها الجهاز السياسي بالآخرين بهدف التغطية على تسهيلات بنيوية يقدمها للجانب الإسرائيلي، وفي مقدمتها تأمين الممرات العسكرية والإقتصادية، وحظر الطيران، وحرية الحركة في المجال الجوي.

​إن الأبعاد الجيوسياسية لهذا الإتفاق تسلط الضوء على آليات التسهيلات المقدمة من القيادة الحالية مقابل ضمان البقاء في الحكم، بالتفاهم مع الجوار، تل ابيب وأنقرة، وتتلخص في النقاط التالية :

​الهندسة العسكرية والممرات الجيوسياسية: يمنح هذا التفاهم لإسرائيل نفوذاً أمنياً وإقتصادياً يمتد بعمق 40 - 50 كم جنوب الأراضي السورية، مع فتح "كوريدور داوود"، وتوفير 5 مراكز رادار شمال حلب واللاذقية. هذا التواجد يحول الجيش السوري إلى قوة عسكرية بحجم 30 ألف عنصر بدون سلاح طيران.

​إغلاق ملف القضية الفلسطينية: يسير النظام الجديد على خطى الأسد الأب في تقويض العوامل الداخلية عبر إنهاء الفصائل، التوطين، وشطب القضية من المنهج الدراسي مقابل رضى الخارج وتثبيت الشرعية.

​إعادة تدوير النهج القديم: يكرر النظام الجديد التكتيك ذاته الذي اتبعه سابقه. منح الأطراف الخارجية المقومات المتصلة بالأمن القومي والضمانات الأمنية مقابل الإحتفاظ بالكرسي، بينما يُمارس في الداخل إستبداداً سياسياً ويوزع تهمة الخيانة على المكونات المطالبة بالفيدرالية او الكونفيدرالية.

يسعى الجهاز الحالي الذي تؤثر فيه أطراف متعددة وتشرف عليه وتضبط إيقاعه، إلى تثبيت ثنائية (الشرع - الشيباني) كأمر واقع. وبينما تستمر الإدارة الإنتقالية في تسليم الأوراق بطرق متدرجة، يثبت الواقع أن التنازل لحماية الكرسي ليس سوى امتداد لنهج قديم لبس لبوساً جديداً، في محاولة لرهن المستقبل السوري بإطار راديكالي عقائدي لا يشبه سوريا بتنوعها القومي والعرقي والثقافي والديني وإخضاع جغرافيتها لإرادة وإدارة الأطراف الإقليمية.
 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o