10:57 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

الطبع والتطبّع... حين يتطبّع وطنٌ بالفساد...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س. عبيد.

يقال إن الطبع غلّاب، وإن الإنسان قد يتطبّع على سلوك لم يكن يومًا من طبعه، حتى يصبح التطبّع مع الزمن شبيهًا بالطبع. وهنا تبدأ الحكاية اللبنانية. هل وُلد اللبناني فاسدًا؟ بالطبع لا.

فالطفل يولد بلا واسطة، بلا محسوبية، بلا طائفة سياسية، بلا زعيم، بلا صفقة، وبلا معرفة بأن الطريق إلى حقه قد يمر عبر باب أحد النافذين. يولد وهو لا يعرف الرشوة، ولا يعرف كيف تُسرق الدولة، ولا كيف يتحول القانون إلى وجهة نظر، ولا كيف تصبح الوظيفة العامة غنيمة.
ثم يكبر... ويبدأ التطبّع.

يتعلم أن القانون يمكن تجاوزه، وأن الواسطة أقصر من الطريق، وأن القوي يستطيع أن يفعل ما لا يستطيع الضعيف فعله، وأن الفساد ليس عيبًا إذا كان الفاسد "من جماعتنا"، وأن سرقة المال العام قد تصبح بطولة إذا استفاد منها القريب والحليف.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والخطأ إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، والثقافة إلى ما يشبه الطبع. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

المشكلة لم تعد في فاسد هنا أو مرتشٍ هناك، بل في منظومة كاملة استطاعت أن تجعل الفساد أمرًا مألوفًا، وأن تجعل الشريف أحيانًا يبدو كأنه هو الغريب عن هذا الوطن. ولذلك، عندما نسأل: هل يمكن إصلاح لبنان؟

أخشى أحيانًا أن يكون الجواب أكثر قسوة مما نريد أن نسمع. ربما لا يكفي تغيير حكومة، ولا انتخاب مجلس، ولا استبدال مسؤول بآخر، إذا بقيت البيئة التي تُعيد إنتاج الفساد هي نفسها.

ولهذا أتخيل، في صورة لا أتمنى حدوثها في الواقع، زلزالًا خياليًا يهدم كل شيء... لا ليقتل إنسانًا، ولا ليدمر وطنًا، بل ليكون رمزًا لهدم كل ما بنيناه من فساد ومحاصصة وواسطة وانتهاك للقانون. وفي وسط الركام، لا يبقى إلا عشرون طفلًا حديثي الولادة.

لا يعرفون من كان زعيمًا. ولا يعرفون من كان فاسدًا. ولا يعرفون إلى أي طائفة ينتمي هذا أو ذاك. ولا يعرفون معنى الواسطة. ولا يعرفون أن هناك دولة تُسرق، أو وطنًا يُباع، أو قانونًا يُطبّق على الضعيف ويُستثنى منه القوي.

تأتي الملائكة إليهم. تحملهم، ترعاهم، وتتركهم يكبرون بعيدًا عن كل ما علّمنا نحن أبناء هذا الوطن أن نتطبّع عليه.

يكبر العشرون. يتعلمون أن القانون قانون. وأن الدولة للجميع. وأن الوظيفة مسؤولية وليست غنيمة. وأن المال العام ليس مالًا بلا صاحب. وأن الإنسان لا يحتاج إلى واسطة كي يحصل على حقه. يكبرون، ثم يبنون وطنًا جديدًا. وطنًا لم يتعلم الفساد بعد. قد تكون هذه الصورة خيالية، لكنها تقول شيئًا حقيقيًا ومؤلمًا:

إن أصعب ما في إصلاح لبنان ليس إزالة الفاسدين، بل إزالة ما تركه الفساد فينا من تطبّع معه. فإذا بقي التطبّع، سيأتي فاسد جديد بعد كل فاسد نزيله. وإذا تغيّر الإنسان، يمكن عندها أن تتغير الدولة.

أما إذا بقينا على ما نحن عليه، فسيبقى الوطن وطنًا بالاسم، وتبقى الدولة هيكلًا، وتبقى المحاسبة مؤجلة، ويبقى لبنان، مهما تغنينا به، مزرعةً تتبدل فيها الوجوه ولا يتبدل النظام الذي يحكمها. لذلك، ربما لا يحتاج لبنان إلى زلزال يهدم الحجر. بل يحتاج إلى زلزال يهدم فينا التطبّع مع الفساد.

فإن لم يحدث ذلك... فلا أمل بوطن جديد، ما دمنا نربي أبناءنا داخل الوطن القديم.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o