المركزية- أنظار العالم شاخصة في اتجاه الاتفاق الأميركي- الإيراني المفترض أن تتضح معالمه النهائية بعد توقيعه يوم الجمعة المقبل، فيما يبقى لبنان عالقاً في دائرة الأسئلة الكبرى. فبنود الاتفاق، ولا سيما تلك المتعلقة بالساحة اللبنانية، لا تزال تكتنفها الضبابية، في ظل رفض إسرائيل أي ترتيبات قد تقيد حرية حركتها العسكرية ضد "حزب الله".
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حسم موقفه بإبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل لن تلتزم بأي تفاهمات تحدّ من عملياتها ضد الحزب، ما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة الاتفاق على إحداث تغيير فعلي في المشهد اللبناني الأمني والسياسي.
في الموازاة، يترقب اللبنانيون ما إذا كان "حزب الله" سيلتزم بما قد يتضمنه الاتفاق من تفاهمات تخص لبنان، خصوصاً أنه يعلن باستمرار تبنيه للخيارات الاستراتيجية الإيرانية والتزامه بما تقرره طهران، فيما يعتبر أن المفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل لا تعنيه ولا تلزمه.
غير أن التطورات الميدانية الأخيرة زادت المشهد تعقيداً. فبعد ساعات من الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول في "حزب الله" قوله إن إيران أرجأت توقيع الاتفاق لمراقبة مدى التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان، مؤكداً أن موقف الحزب مرتبط بهذا الالتزام ورافضاً ما يُعرف بـ"حرية العمليات" الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
لكن هذا الموقف يثير تساؤلات جوهرية: إذا كان الحزب يربط موقفه بالتزام إسرائيل وقف النار، فلماذا أطلق مسيّراته باتجاهها في وقت كانت المفاوضات تبلغ مراحلها الأخيرة؟ ولماذا منح تل أبيب الذريعة التي كانت تنتظرها لتوجيه ضربات جديدة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما حصل بالفعل؟ وهل كان الهدف مجرد اختبار رد الفعل الإسرائيلي، أم أن الرسالة كانت أعمق من ذلك؟
وتبرز فرضية أخرى لا تقل أهمية: هل أرادت طهران من خلال تحريك الحزب التأكيد للمجتمع الدولي أن "حزب الله" ليس مجرد بند ضمن أي اتفاق إقليمي، بل قوة قائمة بذاتها لا يمكن تجاوزها أو التعامل مع الملف اللبناني من دون احتساب دورها وتأثيرها؟
غير أن السؤال الأبرز يبقى متعلقاً بإيران نفسها. فمن منحها حق اتخاذ قرار الرد العسكري على اسرائيل نيابة عن لبنان بعد استهداف الضاحية الجنوبية؟ وبأي منطق تُتخذ قرارات الحرب والسلم نيابة عن الدولة اللبنانية التي اختارت، عبر مؤسساتها الرسمية، سلوك مسار التفاوض غير المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية؟
دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة حروب خاضها الحزب بقرار ايراني تحت عناوين تبدأ، من "إسناد غزة" ولا تنتهي بالرد على اغتيال مرشدها الاعلى. وكانت النتيجة آلاف القتلى والجرحى، ودماراً واسعاً طال الجنوب والضاحية ومناطق أخرى، فضلاً عن موجات نزوح وتشريد أنهكت اللبنانيين وأثقلت كاهل الدولة المنهكة أصلاً.من هنا يعود الجدل القديم المتجدد حول طبيعة "حزب الله" ودوره. اذ ثبُت انه لم يكن ولن يكون حركة مقاومة لبنانية ضد اسرائيل، بل تنظيم يرتبط عضوياً بالمشروع الإيراني ويتحرك وفق حساباته الإقليمية، فهل تدق ساعة الحسم مع توقيع الاتفاق الاقليمي- الدولي يوم الجمعة المقبل وينتهي دوره عسكرياً، أم تبقيه طهران ورقة علّها تحتاجها في وقت لاحق؟






