جوانا فرحات
المركزية - ليست المشكلة في أن تعلن الحكومة نيتها جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، بل في أن يسبقها الواقع إلى طرح السؤال الأصعب: هل أصبحت العاصمة فعلاً تحت سيادة الدولة وحدها، أم أن السلاح غير الشرعي لا يزال يحتفظ بوجوده وقدرته على فرض معادلاته متى تبدلت الظروف؟
ما كشفته الأجهزة الأمنية من ضبط أسلحة ومتفجرات داخل أحد المنازل في رأس النبع، وما تم رصده من تمديد كابلات اتصالات هاتفية خاصة بـ"حزب الله" في بيروت عبر استغلال مشروع ممول من مؤسسة دولية على غرار شبكته في الجنوب والبقاع والضاحية، لا ينبغي النظر إليه كخبر أمني عابر ينتهي بسلسلة بيانات عن تعقب الأجهزة الأمنية والقضائية للشبكة التي خبأت السلاح في شقة رأس النبع أو تلك التي عملت على تمديد كابلات الإتصالات الهاتفية للتنصت بكل أريحية، بل كمؤشر سياسي يعيد فتح ملف ظل لعقود في صلب الأزمة اللبنانية: احتكار الدولة للسلاح.
ولنسلّم جدلاً بأن الحكومة قد رفعت شعار بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، إلا أن اكتشاف أسلحة ومتفجرات داخل أحياء سكنية يسلط الضوء على الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الأمني. تنفيذ مبدأ "بيروت منزوعة السلاح"لا يقتصر على إصدار المواقف أو البيانات، بل يتطلب إجراءات متواصلة تشمل المداهمات، وتعزيز العمل الاستخباراتي، وملاحقة المخالفات، ومنع أي جهة من الاحتفاظ بترسانة عسكرية خارج إطار الدولة.
عليه فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بحجم المضبوطات أو بطبيعة القضايا الأمنية، بل بمدى قدرة الدولة على ترجمة تعهداتها إلى واقع ملموس داخل العاصمة، بحيث تصبح بيروت بالفعل مدينة تخضع فيها جميع المناطق لسلطة القانون وحده. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن تتكرر أحداث السابع من أيار؟
الكاتب والمحلل السياسي عباس هدلا يعتبر أن ما سمح لحزب الله القيام بتمديد كابلات اتصالات هاتفية يعمل على التنصت من خلالها على هواتف تعود لشخصيات سياسية أو حزبية يعود إلى مشاركته ضمن إطار بلدية بيروت ودعمه بالإنخراط في اللائحة الائتلافية مما سمح له بزرع شبكاته الحزبية داخل العمل البلدي في بيروت. وما حُكي عن عملية مداهمة "جاءت بمحض الصدفة كون السبب يعود إلى إشكال عائلي" هنا يجب التوقف عند نقطة أساسية وهي حساسية هذه المنطقة إذ ليس غريبا وجود سلاح في منطقة رأس النبع كما البسطة والخندق الغميق إنما الغريب أن تكون خالية من السلاح ولا ننسى أنها شكلت رأس حربة في عملية 7 أيار كما أنها تشكل خزان مواجهة لحزب الله لتنظيم خلاياه.
ويلفت هدلا إلى أن القرارات التي صدرت بعد إعلان وقف إطلاق النار في الحرب مع إسرائيل لم تأتِ على ذكر السلاح الخفيف للحزب والمتوسط إنما على السلاح الثقيل. وبالتالي فإن ما شهدته بيروت إن على صعيد انكشاف خلية من خلايا الحزب عن طريق الصدفة أو من خلال عمليات تلزيم واشغال لهم تحت ستارة عمل بلدي أو مشروع تابع لمؤسسة دولية أمر روتيني ما دام يستفيد من وجوده في المؤسسات الرسمية ويصرّ على البقاء في الدولة والحكومة لأن خروجه منها يفقده القدرة على السيطرة داخل مؤسسات الدولة والتي يستفيد منها لتحقيق مشاريعه الأمنية وشراكته السلبية في السلم الأهلي مع الدولة اللبنانية.
كل هذا والدولة اللبنانية على اطلاع به يجزم هدلا، وبالتالي هي شريكة معه ومصرة على هذه الشراكة مع الحزب. ويضيف" قد يخفت نفوذ الحزب احيانا لكنه لا يزال يحافظ على سيطرته الكاملة داخل أجهزة الدولة ولا تزال هذه الأجهزة مسخّرة لمصالح الثنائي ولحزب الله ضمن مشروع تصدير الثورة الإسلامية في ايران على الصعيد الأمني والعسكري والإجتماعي والصحي والخدماتي ولا يتم التعرض له".
وتعليقا على قرار بيروت منزوعة السلاح يقول "هذا القرار لا يختلف عن باقي القرارات ومنها اعتبار حزب الله قوة خارجة عن القانون وقرار نزع السلاح من جنوب الليطاني والقرض الحسن... والمؤسف أنه لم يتشكل لوبي من قبل نواب بيروت للضغط على الدولة اللبنانية لتنفيذ قرار بيروت منزوعة السلاح. وكان يفترض أن يضغط نواب العاصمة لإعلان بيروت منطقة طوارئ عسكرية ويقوم الجيش بمهامه من مداهمة الأماكن ونزع السلاح بالقوة. لكنهم لم يفعلوا ذلك. فالدولة لا تقاس ببلاغات الإدانة ولا بالبيانات الوزارية، بل بقدرتها على أن تكون المرجعية الوحيدة للقوة المنظمة. لذلك نقرأ ونسمع كلما ظهر سلاح خارج مؤسساتها: من يحكم فعلاً؟ القانون، أم موازين القوة. تطبيق قرار بيروت منزوعة السلاح لا يقاس بالنوايا، إنما بقدرة الدولة على الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي أمراً مستحيلاً قانونياً وعملياً، بغض النظر عن هوية الجهة التي تمتلكه. فإذا بقيت الأسلحة والمستودعات والمخازن تُكتشف داخل الأحياء السكنية، فإن ذلك يعني أن الطريق إلى "بيروت المنزوعة السلاح" لا يزال أطول بكثير مما توحي به التصريحات السياسية" يختم هدلا.






