مع تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، باتت سياسة البيت الأبيض تجاه الحرب مع إيران تتشكل بصورة متزايدة وفقا لحجم التأثير الذي يمارسه كل من نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب.
يدعو فانس إلى نهج يرتكز على الدبلوماسية، وينطلق من توجه “أميركا أولا” الرافض للانخراط في الصراعات الخارجية، في حين يتبنى روبيو موقفا مختلفا يتماشى مع مواقفه السابقة تجاه كوبا وفنزويلا. ويصغي ترامب لكلا الرجلين، إلا أن الرئيس يميل في نهاية المطاف إلى الاعتماد على قناعاته الشخصية، إذ قال، بحسب صحيفة نيويورك تايمز، إن “أخلاقياته الشخصية” هي العامل الذي قد يحد من سلطاته على الساحة الدولية.
وقال جون كالابريس، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط: “الاتجاه النهائي للسياسة سيعتمد بدرجة أقل على من يفوز في النقاش الأيديولوجي الداخلي، وبدرجة أكبر على الموقع الذي سيستقر عنده ترامب نفسه”.
وأضاف: “لطالما فضّل ترامب الإبقاء على هامش من المرونة، وقد يواصل السماح بوجود آراء متنافسة حوله، لكنه يبدو أنه يضع ثقته، قبل أي شيء، في حدسه الشخصي وتقديره للأمور”.
وأصبح التباين بين معسكري فانس وروبيو، رغم نفي إدارة ترامب الرسمي لوجود خلافات، أكثر وضوحا خلال الأسابيع الأخيرة. ففي ظهوره على بودكاست “ذا جو روغان إكسبيرينس” في 15 يوليو، وجّه فانس انتقادات صريحة لما وصفه بدور “الصقور” في إفشال مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو، والتي كان مكلفا بالإشراف عليها. وكان السيناتور الجمهوري تيد كروز قد انتقد بنود الاتفاق واعتبرها متساهلة أكثر من اللازم مع إيران، قائلا إن ترامب تلقى “نصائح سيئة”.
وقال فانس: “هناك أشخاص يتبنون مواقف شديدة التشدد داخل النظام الأميركي هاجموا الاتفاق، بل وحاولوا، بصراحة، عرقلته إلى حد ما”، من دون أن يسميهم. وأضاف: “إذا كنت تريد سياسة متشددة تجاه إيران، فإن الاعتقاد بأن دونالد ترامب خانك لأنه يحاول أيضا التفاوض للوصول إلى نتيجة جيدة للشعب الأميركي، هو أمر غير منطقي”.
وبحسب شبكة “سي إن إن“، حذر فانس ترامب من شن ضربات عسكرية جديدة خلال اجتماع في المكتب البيضاوي في 24 يوليو.
وفي حديثه إلى الصحفيين على هامش مؤتمر رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في العاصمة الفلبينية مانيلا يوم 23 يوليو، رد روبيو على دعوة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى تطبيق مبدأ “العين بالعين” في ما يتعلق بالصراع. وقال: “سياسة الرئيس ترامب هي: الرأس مقابل العين. سيدفعون ثمنا باهظا جدا لما يفعلونه”.
ويحظى موقف روبيو بدعم مسؤولين بارزين آخرين في إدارة ترامب، من بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز. في المقابل، يحظى موقف فانس بدعم شخصيات جمهورية في الكونغرس، من بينها السيناتور راند بول.
في ما يتعلق برؤيتهما لأولويات الولايات المتحدة داخليا وخارجيا، ينتمي فانس وروبيو إلى عالمين مختلفين.
ففانس يتبنى نهج “أميركا أولا“، الذي يركز على المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة.
وينحدر نائب الرئيس من أسرة في ولاية أوهايو عانت وشهدت كثيرا من المشكلات التي تواجه الطبقتين الفقيرة والمتوسطة في أميركا، مثل إدمان المخدرات والعنف الأسري، وهي فئات تضررت أوضاعها المعيشية وفرصها الاقتصادية، بحسب أنصار هذا التوجه، بسبب العولمة والانخراط الأميركي في المغامرات العسكرية الخارجية. ويوثق فانس هذه التجربة في مذكراته الأكثر مبيعا أنشودة حزن ريفية (Hillbilly Elegy).
أما روبيو، فقصته مختلفة تماما. فهو ينحدر من أسرة كوبية هاجرت إلى الولايات المتحدة قبيل الثورة الكوبية، ونشأ وسط الجالية الكوبية المنفية في ميامي، حيث تشكلت مواقفه المناهضة بشدة للشيوعية ردا على حكم فيدل كاسترو. ومع مرور الوقت، امتزج هذا التوجه بإيمان قوي بدور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والحرية في الخارج، ما جعله أحد أبرز المدافعين عن هذا النهج بين أبناء جيله.
وقال كالابريس: “يبدو أن روبيو في موقع أقوى، باعتباره وزيرا للخارجية، إذ يسيطر على الجهاز الرئيسي المسؤول عن السياسة الخارجية”. لكنه أضاف: “مع ذلك، يظل فانس صوتا مهما بسبب قربه من الرئيس ترامب، ونفوذه داخل الجناح الأكثر ميلا إلى ضبط النفس في الإدارة”.
وتأتي خلافات فانس وروبيو بشأن الحرب في وقت بدأت فيه ملامح السباق الرئاسي لعام 2028 بالظهور، إذ تضع استطلاعات الرأي الرجلين في صدارة المرشحين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري، رغم أن روبيو قال إنه سيدعم نائب الرئيس إذا قرر خوض السباق.
ويرى مراقبون أن أفضل سيناريو لكليهما هو تحقيق الولايات المتحدة انتصارا واضحا.
وقال روس هاريسون، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط ومؤلف كتاب فك شيفرة السياسة الخارجية الإيرانية : “دونالد ترامب عالق في فخ التصعيد. فإذا صعّد أكثر، قد يلحق مزيدا من الضرر بالإيرانيين، لكن من دون أثر استراتيجي حقيقي، وربما بنتائج استراتيجية سلبية إذا فقد السيطرة على مجريات الحرب. وإذا خفف التصعيد، فسيُنظر إليه على أنه ضعيف”.
وأضاف هاريسون أن التباين بين فانس وروبيو قد لا يكون ذا تأثير كبير على مسار الصراع في الوقت الراهن. وقال: “نعم، هذا الانقسام موجود؛ فانس يميل إلى الانعزالية بدرجة أكبر، بينما يتبنى روبيو نهجا أكثر تشددا. لكنني لست واثقا من مدى أهمية هذا الانقسام في هذه اللحظة”.






