أكدت مصادر متابعة لـ "نداء الوطن" أن عرقلة إقرار قانون العفو العام ستُلقي بظلال سلبيّة على مسار العلاقات السورية - اللبنانية، التي تجري إعادة بنائها حالياً في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري السابق. وأوضحت المصادر أن التسريع في إقرار القانون سينعكس إيجاباً على هذه العلاقات؛ كونه يُسهم في إغلاق ملفات شائكة طال أمدها، وإنهاء التبعات الأمنية والسياسية للحقبة الماضية.
وأشارت المصادر إلى أن "قانون العفو" يحظى باهتمام بالغ من قِبل الحكم الجديد في دمشق، وذلك من جانبين رئيسيين:
الأول: انعكاس مفاعيله المباشرة على السجناء السوريين في لبنان عموماً، و خاصة من يُحاكمون في قضايا مرتبطة بالثورة السورية. وتنص الاتفاقية القضائية الموقّعة مؤخراً بين البلدين على أن يكمل المحكومون مدة عقوبتهم في سوريا؛ وبما أن هناك توجهاً لإطلاق سراح من نُقلوا إلى الداخل السوري بنحوٍ لا يتصادم مع الاتفاقية، فإن المخرج القانوني الوحيد للتعامل مع هذه الحالة هو "قانون العفو العام" الذي أقره مجلس النواب مؤخراً، إذ تسري مفاعيله على السجناء الذين يقضون أحكامهم حالياً في السجون السورية، تماماً كما لو كانوا داخل الأراضي اللبنانية.
بالإضافة إلى ذلك، يعالج القانون أوضاع أكثر من 1700 موقوف سوري في السجون اللبنانية لا يزالون قيد التوقيف دون محاكمات، وقد تجاوزت مدة توقيف بعضهم 10 سنوات دون صدور أحكام بحقهم، ولا يزال هؤلاء يوجهون مناشدات مستمرة لحكومتهم، في ظل عجز الاتفاقية الموقعة عن تقديم حل عاجل لأوضاعهم الإنسانية الصعبة.
أما الناحية الثانية التي تهم دمشق في "قانون العفو"، فهي ما يُعرف في لبنان بملف "السجناء الإسلاميين"، حيث حُوكِم عدد كبير منهم لأسباب سياسية على خلفية مشاركتهم في أعمال ضد النظام السابق إبان سنوات الثورة. وتَرَى المصادر أن إبقاء هؤلاء في السجون يضع الدولة اللبنانية أمام واقع متناقض؛ فهي تتفاوض وتتعامل اليوم مع دولة سورية جديدة منبثقة من "هيئة تحرير الشام" التي أُزيلت رسمياً من لوائح الإرهاب أمريكياً ودولياً، بينما لا تزال تُلاحِق وتتهم مواطنين لبنانيين بالإرهاب لمجرد تواصلهم أو عملهم السابق مع الهيئة أو الفصائل المماثلة لها.
وقد عبّر وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، عن هذا الموقف بوضوح خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، حيث قال في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء نواف سلام رداً على سؤال بشأن وساطة سورية محتملة في ملف السجناء الإسلاميين: "فيما يخص السجناء غير السوريين والذين ربما اعتقلوا أو تم إيقافهم لدعمهم الثورة السورية، بالتأكيد هذا الأمر نناقشه بكل احترام وكل انفتاح مع الجانب اللبناني، وهذا أمر أيضاً ربما يُحَل في الفترة القريبة، وبالتالي ربما أسباب الإيقاف انتفت مع إسقاط النظام البائد، ولكن نريد أن نرى حلاً لهذا الأمر".
كما أن هذا الملف كان حاضراً في صلب النقاشات التي أُثيرت مع وزير الخارجية السوري خلال زيارته إلى مدينة طرابلس؛ إذ قدّم وعوداً لفعاليات الشمال بمتابعة السلطات السورية لهذه القضية وإيلائها الاهتمام اللازم، إلى جانب استكمال تنفيذ اتفاق تسلّم باقي دفعات المحكومين السوريين، وإيجاد حل للموقوفين الذين لا تشملهم الاتفاقية الحالية.
ومما يضاعف حساسـية المشهد، حسب المصادر ذاتها، أن بعض القوى السياسية الساعية للتشويش على "قانون العفو" وتقويض إقراره، بدأت تتكشف أدوارها السياسية والأمنية الخطيرة في استهداف استقرار الجوار السوري؛ لا سيما بعد إحباط "شعبة المعلومات" مؤخراً مخططاً لخلية أمنية كانت تتولى تدريب وتسليح عناصر من فلول النظام السوري السابق لتنفيذ عمليات عابرة للحدود.
واللافت أن التحقيقات كشفت عن عمل أحد الموقوفين ضمن فريق المرافقة الشخصية لرئيس الحزب المعارض للقانون، وهو ما يُسقط -وفق المصادر- الشعارات والذرائع التي يرفعها هذا التيار ضد "العفو العام"؛ إذ لا يستقيم ادعاء الحرص على القوانين في العلن، مع التورط في احتضان الفلول والمطلوبين في الخفاء، والمشاركة المباشرة في العبث بأمن البلدين.
وختمت المصادر بالتحذير من أن بعض العواصم العربية، التي ساهمت في إعادة بناء العلاقات بين لبنان وسوريا في مرحلة ما بعد الأسد، ترغب بدورها في إغلاق هذا الملف نهائياً. حيث كان ملف السجناء حاضراً في الاجتماعات الثنائية المبكرة بين البلدين، ولا سيما الاجتماع الشهير الذي استضافته مدينة جدة السعودية في 27 آذار 2025، بحضور وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ووزير الدفاع اللبناني ميشال منسى.
يُشار إلى أن قانون "العفو العام"، الذي ينتظر توقيع الرئيس جوزاف عون لنشره في الجريدة الرسمية، يستند إلى إجماع سني سياسي وديني واضح؛ إذ يحظى بتأييد شعبي واسع، وبدعم الغالبية الساحقة من النواب السنة في البرلمان، إلى جانب المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة بدار الفتوى والمفتي عبد اللطيف دريان، والمرجعيات الدينية غير الرسمية كـ "هيئة علماء المسلمين" والعديد من الفعاليات والنخب الحقوقية والقانونية، بالإضافة إلى تبني القانون من قِبل رئيس الحكومة، القاضي نواف سلام، وهو صاحب الموقع السياسي السني الأبرز في البلاد.
- نداء الوطن -






