6:42 PMClock
دوليات
  • Plus
  • Minus

إسبانيا تفرض قواعد صارمة على طالبي اللجوء

تضع أزمة سبتة إسبانيا أمام اختبار يتجاوز إدارة واحدة من أكثر أزمات الهجرة حدة على حدودها. فمسودة مرسوم اطلعت عليها رويترز تكشف عن اتجاه حكومي إلى تشديد قواعد اللجوء وتسريع إجراءات الترحيل بحق آلاف المهاجرين الذين وصلوا إلى الجيب الإسباني في شمال أفريقيا خلال موجة العبور الجماعي في يوليو، في خطوة يمكن أن تعيد رسم بعض ملامح السياسة الهجرية لمدريد.

ووفق المسودة، التي لم تؤكدها الحكومة بصورة نهائية، تستهدف الإجراءات أكثر من 10 آلاف مهاجر ما زالوا في سبتة، وتسمح بتجاوز بعض الإجراءات المعتادة لمعالجة طلبات اللجوء، بما في ذلك مطالبة من يطعنون في رفض طلباتهم بتقديم الطعن من خارج إسبانيا إذا كانوا قادمين من دول تعتبر آمنة، مثل المغرب. كما تنص على إمكانية تجاوز المراجعة الموحدة لطلبات اللجوء التي تشارك فيها لجنة تضم ممثلين عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتكشف هذه التفاصيل عن حجم الضغط الذي خلفته أزمة يوليو. فقد تمكن أكثر من 72 ألف شخص من الوصول إلى سبتة من المغرب عبر البر والبحر خلال أيام، في موجة غير مسبوقة فاجأت السلطات وأثقلت قدرات الاستقبال في الجيب. ومع أن معظم الوافدين غادروا لاحقاً، لا يزال آلاف المهاجرين في سبتة، ما جعل الأزمة تتحول من حادث حدودي إلى قضية سياسية وقانونية مفتوحة في مدريد.

وتبدو الحكومة الإسبانية الآن أمام معادلة صعبة: تسريع معالجة الملفات وإعادة من لا يملكون حق البقاء، من جهة، والحفاظ على إجراءات اللجوء التي تقوم على دراسة الحالات بصورة فردية، من جهة أخرى. ولذلك فإن المسودة لا تعكس فقط رغبة في تخفيف الضغط عن سبتة، وإنما تكشف أيضاً عن محاولة لإيجاد استثناءات تسمح للدولة بالتعامل مع تدفقات جماعية يصعب إدارتها بالأدوات التقليدية.

وتزداد حساسية الخطوة بسبب تطبيق بعض الإجراءات بأثر رجعي على الأشخاص الذين وصلوا خلال يومي 30 و31 يوليو. كما تقترح المسودة سحب طلب اللجوء إذا تعذر الاتصال بصاحبه لمدة خمسة أيام، وإنهاء حق البقاء بصورة فورية لمن تعتبر السلطات أنه تصرف بطريقة «عنيفة أو تنطوي على تهديد». وهذه البنود تحديداً تفتح الباب أمام نقاش حول حدود السلطة التنفيذية في التعامل مع طلبات اللجوء وحقوق أصحابها.

المسودة تكشف عن محاولة لإيجاد استثناءات تسمح للدولة بالتعامل مع تدفقات جماعية يصعب إدارتها بالأدوات التقليدية

وتدرك الحكومة نفسها أن المسار ليس بسيطاً. فقد قال وزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية أنخيل فيكتور توريس إن الحكومة تدرس إمكان إجراء تعديل تشريعي لتقصير المدد اللازمة لمعالجة الملفات، لكنه أقر بأن الأمر «ليس سهلاً» بسبب المسائل المرتبطة بالقانون الدولي. وتؤكد هذه الإشارة أن مدريد لا تتعامل مع المسألة باعتبارها قراراً إدارياً داخلياً فحسب، وإنما باعتبارها خطوة ينبغي أن تنسجم مع التزاماتها القانونية الدولية.

في المقابل، جاءت ردود الفعل الحقوقية رافضة للمقترحات. فقد انتقد محامون ومنظمات غير حكومية المسودة، ووصفت 13 منظمة، من بينها اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين وأوكسفام، الإجراءات بأنها تهديد لالتزام إسبانيا باتفاقيات حقوق الإنسان. ويتركز الاعتراض خصوصاً على احتمال تقليص الضمانات الفردية في دراسة طلبات اللجوء، وعلى تطبيق بعض الإجراءات بأثر رجعي.

لكن أزمة سبتة لا تجري في فراغ إسباني. فهي تأتي في وقت تتحرك فيه أوروبا نفسها باتجاه تشديد إدارة الحدود الخارجية. فقد أعلن مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر عن خطة لتعزيز دور وكالة «فرونتكس»، وإنشاء قوة دائمة قادرة على الانتشار السريع، إلى جانب تطوير أنظمة إنذار مبكر لرصد محاولات الاختراق وتعزيز عمليات إعادة المهاجرين غير النظاميين ومكافحة مهربي البشر.

كما دعا وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريَنت إلى آلية أوروبية جديدة للتعامل مع موجات العبور الجماعي، تشمل إجراءات سريعة لإعادة المهاجرين عندما لا تكون الأزمة مرتبطة بحالة إنسانية طارئة. وتكشف هذه المواقف أن أزمة سبتة بدأت تؤثر في النقاش الأوروبي الأوسع حول كيفية التعامل مع تدفقات مفاجئة على الحدود الخارجية.

وهكذا تتحول سبتة إلى نقطة اختبار مزدوجة لإسبانيا. فهي من جهة تختبر قدرة الدولة على حماية حدودها واستيعاب موجة ضخمة من الوافدين، ومن جهة أخرى تختبر مدى قدرتها على تشديد إجراءات الهجرة من دون الاصطدام بالإطار القانوني الذي يحكم اللجوء وحقوق الإنسان.

ولا يعني الاتجاه نحو إجراءات أكثر تشدداً أن مدريد تخلت عن سياستها الهجرية السابقة، لكنه يشير إلى أن ضغط الحدود يدفع الحكومة إلى إعادة النظر في الأدوات التي تستخدمها لإدارة الهجرة. فالسياسة التي بدت مستقرة في ظروف التدفقات المعتادة تصبح أكثر صعوبة عندما تصل عشرات الآلاف خلال أيام إلى منطقة محدودة المساحة والقدرات.

وبينما لم تتحول المسودة بعد إلى مرسوم نافذ، فإن مجرد طرحها يكشف تغيراً في طبيعة النقاش الإسباني: لم تعد المسألة تدور فقط حول استقبال المهاجرين أو تنظيم دخولهم، وإنما حول مقدار المرونة التي يمكن أن تمنحها الدولة لنفسها عندما تواجه تدفقاً جماعياً استثنائياً.

ومن هنا، فإن اختبار سبتة الحقيقي قد لا يكون في قدرة مدريد على تسريع عمليات الترحيل، بل في قدرتها على تحقيق التوازن بين السيطرة على الحدود، وتسريع الإجراءات، والحفاظ على الضمانات القانونية لطالبي اللجوء. وهو توازن لن تحدد ملامحه مدريد وحدها، بل ستتأثر به أيضاً طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مع موجات الهجرة المفاجئة وحدود الإجراءات الاستثنائية في حماية حدوده الخارجية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o