العميد الركن المتقاعد جوزف س.عبيد:
زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا ليست مجرد زيارة بابوية عابرة، ولا مجرد محطة رعوية في برنامج حافل. إنها لحظة تستحق التوقف عندها، لأنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز المناسبة نفسها:
ماذا بقي من "الابنة البكر للكنيسة"؟
فرنسا التي تستقبل اليوم البابا هي فرنسا الجمهورية العلمانية، التي جعلت من العلمانية (Laïcité) مبدأً أساسياً في نظامها السياسي. وهذا واقع لا يحتاج إلى إنكار.
لكن فرنسا هي أيضاً تلك البلاد التي ارتبط تاريخها وثقافتها وحضارتها لقرون طويلة بالمسيحية والكنيسة، حتى حملت في التقليد الكنسي لقب "الابنة البكر للكنيسة".
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل تعني العلمانية أن تتنكر الابنة لأمها؟
لا أحد يقول إن على فرنسا أن تتخلى عن جمهوريتها أو نظامها العلماني، ولا أن تعود إلى نموذج تاريخي مضى. لكن هناك فرقاً كبيراً بين فصل الدين عن الدولة وبين فصل الإنسان عن جذوره.
فالـ"Laïcité" يمكن أن تكون إطاراً لتنظيم العلاقة بين الدولة والأديان، بحيث لا تتحول الدولة إلى دولة دينية ولا إلى دولة تحارب الدين. وهذا التمييز كان حاضراً في الحديث عن زيارة البابا؛ فقد أكد رئيس أساقفة مرسيليا ورئيس مجلس أساقفة فرنسا أن الجمهورية علمانية، وأن الدولة لا تعترف بدين، لكنها في الوقت نفسه تضمن للجماعات الدينية إمكانية التعبير العلني عن إيمانها وفق القانون.
Vatican News
لكن ما يستوقفني في هذه الزيارة ليس الكلام وحده.
إنها الأرقام.
قبل الزيارة، كانت التسجيلات تشير إلى مشاركة تقارب مليون شخص في مختلف محطاتها وفعالياتها، من فرنسا ومن دول أوروبية مجاورة.
Vatican News
أما المشهد الأكثر دلالة، فكان في ستاد دو فرانس.
نحو 80 ألف شاب وشابة، بين 17 و35 عاماً، امتلأ بهم الملعب للقاء البابا والصلاة والاستماع إليه. وتؤكد Vatican News أن الملعب، الذي يتسع لـ80 ألف شخص، كان ممتلئاً عن آخره في ذلك اللقاء.
ثمانون ألف شاب!
هنا تتوقف بعض النظريات أمام الواقع.
هؤلاء ليسوا رجالاً ونساءً عاشوا في فرنسا القديمة.
هؤلاء شباب فرنسا اليوم.
جيل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعولمة، جيل وسائل التواصل الاجتماعي، جيل وُلد في الجمهورية العلمانية، ومع ذلك اختار عشرات الآلاف منه أن يمضي مساءه في ملعب مكتظ ليستمع إلى رأس الكنيسة ويصلي معه.
فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول إن الكنيسة أصبحت مجرد صفحة من الماضي؟
ربما تراجعت الممارسة الدينية في المجتمع الفرنسي، وربما تبدلت علاقة الأجيال بالدين، وهذه حقائق تستحق النقاش. لكن المشهد الذي قدمه هؤلاء الشباب يقول شيئاً آخر أيضاً:
إن الحاجة إلى الروح لم تمت.
فالإنسان قد يغيّر نظامه السياسي، وقد تتغير علاقته بالمؤسسات الدينية، لكنه يبقى يبحث عن معنى، وعن هوية، وعن إجابات للأسئلة الكبرى التي لا يستطيع الاقتصاد ولا التكنولوجيا ولا السياسة أن تجيب عنها وحدها.
الابنة تستطيع أن تكبر... لكنها لا تستطيع أن تمحو أمها
قد تكبر الابنة.
قد تستقل.
قد تختار طريقاً مختلفاً.
وقد تبني لنفسها بيتاً جديداً.
لكن هل عليها، لكي تثبت استقلالها، أن تنكر أمها؟
هذه هي المسألة التي تطرحها فرنسا أمامنا.
لا يتعلق الأمر بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا بتحويل الجمهورية إلى دولة دينية.
بل بالسؤال عن الذاكرة.
هل تستطيع فرنسا أن تكون علمانية من دون أن تكون معادية للمسيحية؟
هل تستطيع أن تحترم المؤمن وغير المؤمن معاً، من دون أن تعتبر تاريخها المسيحي عبئاً ينبغي التخلص منه؟
وهل يمكن للحداثة أن تكون امتداداً للتاريخ، لا قطيعة معه؟
والبابا لم يأتِ ليحاكم فرنسا
اللافت أن البابا لاون الرابع عشر لم يأتِ إلى فرنسا ليعلن حرباً على العلمانية.
بل إن خطابه حمل دعوة إلى التوازن، وإلى أن يكون للكنيسة مكان في المجتمع وفي المجال العام، ضمن النظام القائم واحترام قوانين الجمهورية. كما أن الزيارة نفسها حملت أبعاداً تتعلق بالكرامة الإنسانية والحياة والسلام والحوار بين الأديان.
وهذا ربما هو المعنى الأعمق للزيارة.
فالكنيسة لا تحتاج إلى دولة تحميها لكي تبقى حاضرة.
تحتاج إلى إنسان يؤمن برسالتها.
والدولة لا تحتاج إلى أن تكون دينية لكي تحترم الدين.
تحتاج إلى أن تكون عادلة في احترام حرية الجميع.
مليون شخص... و80 ألف شاب
لهذا لا يمكن المرور على هذه الزيارة مرور الكرام.
مليون شخص تقريباً في مختلف الفعاليات، و80 ألف شاب في ستاد دو فرانس.
هذه ليست مجرد أرقام.
إنها رسالة اجتماعية وثقافية وروحية تستحق التأمل.
قد تكون فرنسا علمانية، نعم.
لكن العلمانية لم تستطع أن تلغي الكنيسة من ذاكرة المجتمع.
وقد تكون الكنيسة قد خسرت الكثير من حضورها التاريخي، لكنها لم تفقد قدرتها على الوصول إلى الإنسان.
والأهم أن 80 ألف شاب لم يذهبوا إلى الملعب لأن أحداً أجبرهم.
ذهبوا لأنهم أرادوا أن يكونوا هناك.
وهنا، ربما، تكمن المفارقة الفرنسية الكبرى:
الابنة البكر للكنيسة اختارت العلمانية، لكنها عندما جاءت أمها لزيارتها، فتحت لها أبوابها... وامتلأ ملعبها بالشباب.
فهل تنكرت الابنة لأمها حقاً؟
أم أنها، رغم كل التحولات، لا تزال تحمل شيئاً من روحها في داخلها؟
قد تختلف فرنسا مع الكنيسة.
قد تنتقدها.
قد ترفض بعض مواقفها.
وقد تتمسك بنظامها العلماني.
لكنها لا تستطيع أن تلغي تاريخها.
فالإنسان يستطيع أن يختار مستقبله، لكنه لا يستطيع أن يعيد كتابة ماضيه.
وفرنسا تستطيع أن تكون جمهورية علمانية حديثة، لكن عليها ألا تخجل من حقيقة أنها كانت، ولا تزال في الذاكرة المسيحية، الابنة البكر للكنيسة.
وربما كانت زيارة البابا لاون الرابع عشر تذكيراً بسيطاً بهذه الحقيقة:
ليس المطلوب من الابنة أن تعود إلى حضن أمها...
بل أن تتذكر، وهي تمضي نحو المستقبل، من أين أتت.






