جوانا فرحات
المركزية – أن ينتشر الجيش اللبناني في أي نقطة كانت على الأراضي اللبنانية فهذا حق غير مقيّد بأي شروط. فكيف إذا كانت النقطة "جنوبية"؟.
هذا ما كان يفترض أن يحصل أمس عند استحداث الجيش اللبناني نفطة في دير ميماس. لكن ثمة اتفاق إطار ويفترض أن يكون هناك تنسيق مع الجانب الإسرائيلي من خلال الوسيط الأميركي خصوصا إذا كانت النقطة تقع ضمن الخط الأصفر إلا إذا صحت نوايا البعض بأن ثمة جهة تريد التملص من اتفاق الإطار.
"اتفاق الإطار طار" قالها الرئيس نبيه بري في حديث صحافي في 11 أيلول الجاري. لكن ليس ما كل ما يتمناه بري وحزب الله الذي كرر المقولة ولو بصيغة مختلفة في جلسة مساءلة الحكومة منذ يومين يكون.
فالنقطة التي استحدثها الجيش اللبناني عند أطراف بلدة دير ميماس يزعم الجيش الاسرائيلي أنها تقع ضمن "الخط الأصفر" مما اضطره إلى الطلب من الجيش اللبناني الإنسحاب منها ومنحه مهلة زمنية للتنفيذ. فردّ بإرسال تعزيزات إلى المنطقة آنذاك تقدمت قوة إسرائيلية باتجاه أطراف بلدة ديرميماس، وألقت ست قنابل صوتية في محيطها في محاولة لإجبار عناصر الجيش على التراجع.
الإتصالات التي جرت أفضت إلى انسحاب الجيش من النقطة المستحدثة وتمركز قوات إسرائيلية في الموقع ولاحقا غادر الجيش الإسرائيلي النقطة التي كان تقدم إليها عند أطراف مدخل بلدة دير ميماس وعاد للتمركز في موقعه عند تل النحاس.
وأصدرت قيادة الجيش بيانا مساء الجمعة أوضحت فيه أنّ "في سياق المهمات التي تنفّذها الوحدات العسكرية داخل بلدة دير ميماس - مرجعيون، أقامت دورية للجيش نقطة مراقبة موقتة مستحدَثة عند أطراف البلدة بتاريخ ٢٠٢٦/٩/١٠، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقدهم الأراضي الزراعية.
وبتاريخ ٢٠٢٦/٩/١٨، اقتربت قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي من النقطة المستحدَثة داخل ما يسمّى بالمنطقة الأمنية، وألقت قنابل صوتية في محيط البقعة.
وعلى أثر ذلك، قام الجيش بتعزيز النقطة، وحدث استنفار بين الجانبين. ونتيجة الاتصالات التي جرت عبر MCG4L، غادرت القوة التابعة للاحتلال الإسرائيلي المكان، ثم عاد عناصر الجيش بعد ذلك إلى مركزهم الأساسي في البلدة. وتجري المتابعة بالتنسيق مع MCG4L".
مصادر متابعة توضح ل"المركزية" أن ما جرى عند أطراف بلدة دير ميماس كان لافتا إذ أن المواجهة لم تكن بين الجيش الإسرائيلي وعناصر من حزب الله، بل احتكاكاً مباشراً حول وجود الجيش اللبناني نفسه ونقطة عسكرية لبنانية. وهنا تكمن أهمية التطور.
تضيف المصادر أن الجيش اللبناني، منذ بدء تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة، يسعى إلى تثبيت حضوره وانتشاره في الجنوب، وهذا حق مكتسب للجيش. لكن هناك اتفاق إطار ومن المبكر اعتبار ما حصل بداية مواجهة عسكرية بين الجيشين إذ أن المؤشرات المتوافرة لا تسمح بهذا الاستنتاج، خصوصاً أن الحادثة بقيت، في إطار التحرك الميداني والإنذار والقنابل الصوتية والتعزيزات، وليس الاشتباك المسلح المباشر. لكن في المقابل، من الصعب التعامل معها كحدث عابر.
السؤال الذي يطرح، هل تريد الدولة اللبنانية التملص من اتفاق الإطار؟ هذا ما تخشاه المصادر لأن تبعياته ستكون كارثية. وتلفت إلى أن الأهمية الإضافية التي تكتسبها الحادثة كونها تأتي في وقت يفترض أن تكون فيه المرحلة المقبلة مكرّسة لتثبيت الترتيبات التي انبثقت عن اتفاق الإطار الأميركي بين لبنان وإسرائيل، والذي يتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً وانتشاراً للجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. وبالتالي فإن كل نقطة جديدة ينتشر فيها الجيش اللبناني تصبح عملياً جزءاً من اختبار تنفيذ الاتفاق على الأرض. وهنا يمكن فهم سبب حساسية ما جرى في دير ميماس. وتسأل المصادر:"هل يُسمح للجيش اللبناني بأن ينتشر في النقاط التي يعتبرها لبنان جزءاً من سيادته، أم أن إسرائيل ستبقي لنفسها القدرة على الاعتراض على طبيعة الانتشار ومواقعه؟".
بالنسبة إلى إسرائيل، واضح أنها تريد الحفاظ على حرية حركة واسعة في المنطقة الحدودية في ظل استمرار عملياتها ضد ما تقول إنه بنى عسكرية تابعة لحزب الله.
وقد تستخدم التحركات الميدانية لتثبيت شروط تفاوضية قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر وضوحاً في مسار الانسحاب، مع إبقاء المناطق الجنوبية تحت ضغط أمني يمنع لبنان من اعتبار أن مرحلة ما بعد الحرب قد بدأت فعلاً، وأن السيطرة الأمنية انتقلت بصورة كاملة إلى المؤسسات اللبنانية.
في المقابل تبدو الرسالة اللبنانية أكثر وضوحاً. فالجيش يريد أن يكون هو صاحب القرار الأمني على الأرض اللبنانية. وهذه نقطة بالغة الأهمية في المرحلة الحالية، لأن الجيش لا يخوض فقط مواجهة ميدانية محدودة، بل يعمل على تثبيت دوره أمام المجتمع الدولي أيضاً.
فإذا كان المطلوب من الجيش اللبناني أن ينتشر جنوباً وأن يتولى الأمن، فإن استمرار وجود قوات إسرائيلية في مناطق لبنانية، وخصوصاً عندما يترافق مع اعتراض على نقاط انتشار الجيش، يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة شديدة التعقيد. من هنا يمكن القول أن حادثة دير ميماس في بعدها السياسي والأمني ليست مجرد خلاف على نقطة عسكرية، إنما اختبار مصغّر للصراع على من يملك القرار الميداني في الجنوب اللبناني. من جهة إسرائيل التي تريد أن تحتفظ بهامش أمني وعسكري واسع في المنطقة، بينما يسعى لبنان إلى تكريس الجيش باعتباره المرجعية العسكرية الوحيدة على أرضه.
تختم المصادر" كل المؤشرات تدل على أن المواجهة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي مستبعدة. وهناك مصلحة واضحة لدى الطرفين في إبقاء الاحتكاك تحت سقف معين، لكن الخطر يكمن في سوء التقدير لاتفاق الإطار.






