كتبت د. زينة منصور:
لم تكن عمليات التدمير الممنهج التي تجتاح القرى الحدودية سوى الفصل الأحدث في ملحمة نزيفٍ لبنانية ممتدة منذ العام 1949. عقودٌ طوال ورقعة هذه الجغرافيا تُدار بوصفها "ساحة" مجردة من الإرادة، ومكسر عصا لتصفية حسابات محاور النفوذ. فمن وصايات القوى الإقليمية الغربية والعربية والفارسية، وصولاً إلى الإرتهان الكامل للمشاريع المتعاقبة من الناصرية إلى العرفاتية إلى البعثية إلى العربية وصولاً للمشروع الإيراني الذي استكمل عبر "حزب الله" ومصادرة القرار السيادي وتفريغ الدولة من مضمونها.
يتجاهل الحكام حقيقة مرة وهي أن إسرائيل لا تفرض اليوم واقعاً ميدانياً، بل تستفيد من "عجز هائل" تراكم على مدى50 سنة من تنوع الهيمنات على القرار اللبناني. عقودٌ من الشلل الرسمي أسست لظاهرة "الدولة العميقة" التي احترفت شراء الوقت وتأجيل الأزمات، وإستثمرت واستمرأت العيش تحت مظلة السلاح غير الشرعي والإرتهان للخارج بدلاً من المصلحة اللبنانية، تهرباً من بناء دولة السيادة والمساواة.
وهنا السؤال: لماذا تخشى مراكز النفوذ في لبنان حسم خياراتها التاريخية. لماذا هذا التهرب من إنجاز تسوية سياسية وسلام يضع حداً لدوامة دولة " الساحة المستباحة؟.
إن استمرار الرهان على "إدارة الصراع" والدوران في حلقة التهدئة والتخدير لم يعد عجزاً، بل تواطؤ من دولة عميقة تخشى السلام؛ لأن السلام الحق القائم على سيادة القانون وحصرية السلاح بيد الجيش، يعني تفكيك منظومات الفساد والإرتهان، وإسقاط المزارع السياسية التي اقتسمت السلطة تحت شعارات الممانعة.
وهنا، تقف الدولة اللبنانية أمام مفاضلة بين التمسك بـ إتفاقية الهدنة والقرار 1701 كإطار لإدارة التهدئة، وبين الذهاب نحو اتفاقية سلام نهائي شاملة عبر بوابة إتفاق الإطار واشنطن واجتماعات روما العسكرية بين وفدي الجيشين اللبناني والإسرائيلي. فالقرار الأممي على أهميته في القانون الدولي يُبقي النزاع مجمداً وقابلاً للانتكاس، بينما اتفاقية السلام تمثل المدخل للقطع التام والنهائي مع ثقافة "الساحة المفتوحة" وإغلاق ملف النزاع الحدودي. إن الإنتقال إلى سلام ينهي حالة الحرب يفتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان، تتيح له الإنتقال من دولة الإستنزاف إلى دولة الإستقرار الإقتصادي، وتضع نهاية لعقود من مصادرة المستقبل.
لقد وضع التصعيد الأخير لبنان أمام مفترق طرق بين خيارين:
1- العودة لإتفاقية الهدنة لعام 1949 والقرار 1701 لعام 2006: كحد أدنى يضمن تثبيت الحدود ووقف العدوان، بشرط بسط سيادة الجيش وتفكيك التشكيلات المسلحة خارج الدولة.
2- الإنتقال نحو خيار السلام الشامل: صياغة إتفاق سلام يكرس حدود لبنان، ويقتلع ذريعة "الحرب المفتوحة" و"الساحة المستباحة" المستخدمة كغطاء لمصادرة القرار وتعطيل الحياة الدستورية.
إن اللحظة الراهنة، عشية الجولة التفاوضية في روما، تتطلب الجرأة: لم تعد المشكلة في الخروقات الإسرائيلية، بل في بنية ارتهنت 50 عاماً للمحاور. إن استعادة لبنان لسيادته لن تتحقق بالشعارات ولا بتقاسم الأدوار بين سلاح الأمر الواقع ودولة "شاهد الزور"، بل بقرار تاريخي يُنهي ثمانين عاماً وأكثر من الإرتهان، ويصنع لبلاد فينيقيا خيارها السيادي المستقل بعيداً عن أوهام الساحات.






