كتب ميشال غندور:
فور وصوله إلى البيت الأبيض وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارة والأعمال على رأس أولويات سياسته الخارجية، واستخدم الرسوم الجمركية كأداة للتواصل والتفاوض مع الدول الأخرى. والدليل أنه عندما فرض رسوماً جمركية على البضائع المستوردة من العديد من الدول وعلى رأسها الصين رسم سقف المفاوضات وحدد شروطها وسارعت الدول إلى التفاوض مع الإدارة الأميركية لمواجهة الأضرار الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن تلحق بها وباقتصاداتها في حال تطبيق هذه الرسوم وعدم التوصل إلى اتفاقات تجارية مع واشنطن.
ولأهمية التجارة ومكانتها في سياسة إدارته وصف الرئيس الأميركي الرسوم الجمركية بأنها أجمل كلمات له في القاموس وقال "الله والدين والحب هي في الواقع الكلمات الثلاثة الأولى في هذا الترتيب ثم تأتي التعريفات الجمركية".
إنطلاقاً من هذه الأولوية عين ترامب صديقه المقرّب البليونير هاورد لوتنيك وزيراً للتجارة ويعول عليه كثيراً في جلب الإستثمارات الأجنبية وتوقيع اتفاقات تجارية مع الدول الأخرى وحماية الصناعات الأميركية وتعزيز صادراتها. وفي رحلته الأولى إلى الخارج والتي شملت السعودية والإمارات وقطر، حيث تم التوقيع على صفقات تجارية بمئات المليارات من الدولارات، اصطحب الرئيس ترامب معه وزيري التجارة والخزانة وكبار المسؤولين الماليين والاقتصاديين والعشرات لا بل المئات من رجال الأعمال الأميركيين بالطبع إلى جانب وزيري الخارجية والدفاع.
التجارة والمفاوضات مع إيران
وإلى جانب فرض العقوبات على الأخصام والمنافسين يستخدم الرئيس الأميركي التجارة كوسيلة للتفاوض والضغط وكمحفز للتشجيع على تحقيق أهدافه. وهذا ما حصل بالفعل عندما تدخلت الولايات المتحدة دبلوماسياً من أجل وقف الإشتباكات وتجنب اندلاع حرب شاملة بين الهند وباكستان. وذكر الرئيس الأميركي في هذا الصدد أنه استخدم التجارة كعامل مهم في تحقيق وقف إطلاق النار. وأشار إلى أنه عرض حوافز تجارية على البلدين مقابل وقف الأعمال العدائية.
وفي حديثه عن إيران التي يخوض معها الجانب الأميركي مفاوضات حساسة ودقيقة قد تؤدي إما إلى اتفاق نووي جديد أو تفضي إلى ضربات عسكرية توجهها الولايات المتحدة إلى المنشآت النووية الإيرانية، قال الرئيس الأميركي إن "إيران تريد التجارة معنا، حسناً، إن كنتم تصدقون ذلك، وأنا موافق على ذلك، فأنا أستخدم التجارة لتصفية الحسابات وإحلال السلام. لكنني أخبرت إيران، إذا عقدنا صفقة، ستكونون في غاية السعادة. والأهم من ذلك، قلتُ لإيران ببساطة شديدة... أنه ليس هناك متسع من الوقت.. ولن يمتلكوا سلاحاً نووياً..".
وفي تعامله مع سوريا فاجأ الرئيس الأميركي الكثير في داخل الولايات المتحدة وخارجها عبر إعلانه في السعودية عن رفع العقوبات عن دمشق. وجاء هذا الإعلان لمساعدة سوريا على إعادة الإعمار وتنمية تجارتها والخروج من مآسيها ومنعها من أن تعود مجدداً إلى أحضان النفوذ الإيراني ووكلائه وتجنب تجدد الحرب فيها واتساعها بحسب تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو مؤخراً. كما أن هذا الإجراء ورغم محاذيره الأمنية والسياسية، يقطع الطريق على روسيا والصين المستفيدان الأساسيان من العقوبات منذ سنوات، ويفتح الباب أمام الشركات الأميركية للاستثمار على الأراضي السورية وبالتالي يعيد سوريا إلى العالم العربي ويقربها من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها تركيا والدول الخليجية ويسرع إحلال السلام بينها وبين إسرائيل.
سفيرات وسفراء من ناد مختلف
ولتطبيق الدبلوماسية التجارية هذه سمى الرئيس دونالد ترامب الكثير من أصدقائه والمقربين منه من رجال وسيدات أعمال سفراء وسفيرات إلى دول العالم للتركيز على التجارة والإستثمار. ولم يعتمد على الدبلوماسيين والسياسيين التقليديين. ومن هنا يأتي مثلاً تعيينه صديقه اللبناني الأصل رجل الأعمال والخبير المالي ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة في لبنان. وقال ترامب إنه من خلال عيسى فإن إدارته "مستعدة لمساعدة لبنان على بناء مستقبل من التنمية الاقتصادية والسلام مع جيرانه".
فهل ينجح المستثمرون ورجال الأعمال والمصرفيون حيث فشل الدبلوماسيون المحترفون؟
وهل تنجح الدبلوماسية التجارية في إنهاء الحروب وتفادي أخرى وإحلال السلام في العالم؟ وهل تتمكن من تجاوز التحديات الإستراتيجية والمخاطر الأمنية والنووية والتعقيدات الدينية والجيوسياسية؟
الجواب يتطلب أشهراً لا بل سنوات لتبيانه والعبرة في التنفيذ.






