8:13 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

المرأة المتزوجة والسلك الدبلوماسي اللبناني: طلاق لا زواج!

كتب المحامي ميشال فلاّح:

يثير اقتراح القانون الذي تقدّمت به النائبة عناية عز الدين، والرامي إلى إلغاء شرط العزوبية المفروض على المرشحات للالتحاق بالسلك الخارجي في وزارة الخارجية والمغتربين، مسألة تتجاوز حقوق المرأة إلى صميم الشرعية الدستورية للتوظيف العام. فالمفارقة أن الدولة اللبنانية، التي تعلن التزامها بالمساواة وتكافؤ الفرص، لا تزال تطبق نصاً يمنع المرأة المتزوجة من الترشح لوظيفة دبلوماسية، ولو كانت مستوفية جميع شروط الكفاءة والمؤهلات العلمية.
والأغرب أن المرأة تستطيع، من حيث المبدأ، أن تتزوج بعد دخول السلك، وفق الضوابط القانونية، لكنها تُمنع من دخوله إذا سبق زواجها موعد المباراة. فهل الزواج عائق أمام الكفاءة الدبلوماسية، أم أن المشكلة تكمن في تشريع لم يواكب تطور المفهوم الدستوري للمساواة؟

أصل التمييز في التشريع اللبناني
يعود شرط العزوبية إلى تشريعات قديمة نظّمت السلك الخارجي، وأُبقي عليه في المادة الثانية عشرة من نظام وزارة الخارجية والمغتربين الصادر بموجب القانون الموضوع موضع التنفيذ بالمرسوم رقم 1306 تاريخ 18 حزيران 1971. إذ تنص الفقرة المتعلقة بالمرشحات صراحة على اشتراط أن تكون المرشحة عزباء، من دون فرض شرط مماثل على الرجل.
ولم يبقَ النص نظرياً، فقد أعاد مجلس الخدمة المدنية إدراجه ضمن شروط إحدى مباريات التوظيف، طالباً إثبات العزوبية ببيان قيد إفرادي حديث. وهذا ما دفع النائبة عز الدين إلى تقديم اقتراح لإلغائه في تشرين الأول الجاري. والمشكلة هنا ليست في خطأ إداري، بل في نص تشريعي يُنتج التمييز بصورة مباشرة. فالإدارة تطبّق شرطاً مقرراً قانوناً، ما يجعل تعديل التشريع المدخل الطبيعي لمعالجة الخلل.

مخالفة مبدأ المساواة الدستورية
تكرّس الفقرة "ج" من مقدمة الدستور اللبناني المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز، فيما تنص المادة السابعة على المساواة أمام القانون. أما المادة الثانية عشرة فتؤكد حق كل لبناني في تولّي الوظائف العامة، وألا تكون الأفضلية إلا من حيث الاستحقاق والجدارة، وفق الشروط التي يحددها القانون.
صحيح أن المساواة الدستورية لا تمنع المشرّع من وضع شروط مختلفة متى استندت إلى اعتبارات موضوعية مرتبطة بطبيعة الوظيفة، لكنها تمنع التمييز الاعتباطي الذي لا يقوم على مبرر مشروع ومتناسب. وهنا يبرز السؤال، ما العلاقة الموضوعية بين العزوبية والأهلية الدبلوماسية؟
قد يُقال إن الوظيفة تقتضي الانتقال بين الدول والاستعداد للعمل في ظروف استثنائية. غير أن هذه المتطلبات تنطبق على الرجال والنساء، المتزوجين والعازبين، ولا تبرر استبعاد فئة كاملة مسبقاً. فإذا كانت القدرة على الانتقال شرطاً مهنياً، وجب التحقق منها بمعايير متساوية، لا بافتراض أن الزواج يعوق المرأة وحدها.
وعليه، فإن شرط العزوبية يثير شبهة جدية بمخالفة المادتين السابعة والثانية عشرة من الدستور، فضلاً عن مبدأ التناسب بين شروط التوظيف ومتطلبات الوظيفة.

الاتفاقيات الدولية وحدود الالتزام اللبناني
تكتسب المسألة بعداً إضافياً في ضوء اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، التي انضم إليها لبنان عام 1971. وتُلزم المادة الحادية عشرة الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز في ميدان العمل، بما يشمل فرص الاستخدام ومعايير الاختيار. وعلى الرغم من تحفظات لبنان على بعض أحكام الاتفاقية، فإنها لا تشمل المادة الحادية عشرة المتعلقة بالعمل.
كذلك، صادق لبنان على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة، التي تدعو إلى إزالة الممارسات التمييزية وتحقيق تكافؤ الفرص. ولا يعني ذلك أن كل اختلاف في شروط التوظيف محظور، بل إن الاستثناءات يجب أن ترتبط بمتطلبات حقيقية للوظيفة، لا بتصورات اجتماعية مسبقة عن دور المرأة المتزوجة.
وبالتالي، يصعب التوفيق بين استبعاد المرشحة بسبب زواجها وبين التزامات لبنان الدولية المتعلقة بالمساواة المهنية.

القانون المقارن... تمييز تخلّت عنه دول أخرى
تقدم التجارب المقارنة أمثلة واضحة على تجاوز هذا النوع من القيود.
في بريطانيا، كانت الدبلوماسية تُجبر على الاستقالة عند الزواج، إلى أن أُلغي هذا الشرط عام 1972. وقد وثّقت وزارة الخارجية البريطانية هذا التحول باعتباره مرحلة أساسية في تطور حقوق المرأة الدبلوماسية. 
في الولايات المتحدة، اعتمدت وزارة الخارجية عام 1971 سياسة تمنع اعتبار الزواج سبباً لاستبعاد النساء من التوظيف أو البعثات الخارجية، وأكدت إمكان الجمع بين الحياة الزوجية والمهنة الدبلوماسية. 
في فرنسا، يقوم التوظيف العام على حظر التمييز بسبب الوضع العائلي. وتؤكد وزارة الخارجية الفرنسية اعتماد المساواة المهنية في التوظيف والترقية والتعيينات الخارجية.
وتكشف المقارنة أن الدول الثلاث انتقلت من النظر إلى الزواج باعتباره عائقاً أمام الوظيفة إلى تنظيم المتطلبات المهنية بصورة مستقلة عن الحالة الزوجية.

هل يكفي إلغاء شرط العزوبية؟
يستحق اقتراح النائبة عز الدين التأييد من زاوية إزالة التمييز التشريعي، لكنه يطرح إشكالية أوسع تتعلق بمدى كفاية التعديل الجزئي. فإلغاء شرط العزوبية يعالج مانعاً محدداً، لكنه لا يغني عن مراجعة شاملة لنظام السلك الدبلوماسي، تشمل شروط الانتقال والتعيين، والحقوق العائلية، وضمانات المساواة في المسار المهني.
كما ينبغي التمييز بين إزالة الشرط غير الدستوري وبين الأثر القانوني لإلغائه. فلا يجوز افتراض أن تعديل القانون سيؤدي تلقائياً إلى إعادة فتح المباريات السابقة أو تسوية أوضاع المرشحات المستبعدات، ما لم يتناول التشريع هذه المسألة صراحة، ضمن حدود الحقوق المكتسبة والأصول القانونية.

عندما يحتاج الدستور إلى قانون يذكّر به
إن اقتراح إلغاء شرط العزوبية ليس منحة تشريعية للمرأة المتزوجة، بل تصحيح لتمييز يصعب تبريره دستورياً. والسؤال الذي يستحق الطرح ليس لماذا تقدمت النائبة عناية عز الدين بهذا الاقتراح، بل لماذا احتاج لبنان إلى أكثر من نصف قرن لمراجعة شرط كهذا، بعدما تجاوزته دول أخرى منذ عقود؟
فالدولة التي تطلب من المرأة أن تثبت أنها غير متزوجة قبل أن تسمح لها بإثبات كفاءتها الدبلوماسية، لا تختبر أهليتها المهنية، بل تكشف خللاً في مفهومها للمساواة. ويبقى الامتحان الحقيقي للمشرّع اللبناني ألا يكتفي بإزالة كلمة "عزباء"  من نص قديم، بل أن يكرّس قاعدة دستورية بسيطة، الوظيفة العامة حق يقوم على الكفاءة والجدارة، لا على الحالة الزوجية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o