5:58 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

يوم محاسبة نتنياهو.. والعرب في قلب المعادلة

لم يكن يوم الانتخابات في الدولة العبرية يوماً عادياً، بل بدا منذ ساعاته الأولى أشبه بمعركة سياسية مفتوحة على هوية الدولة ومستقبلها. ارتفعت نسبة الاقتراع إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود، وتصاعدت الاتهامات بإتلاف أوراق انتخابية وعرقلة الناخبين، فيما استنفر نتنياهو جمهوره محذراً من تدفق العرب إلى الصناديق، وحاول «الليكود» تمديد ساعات التصويت.

في الواقع كانت إسرائيل كلها على أعصابها، لأن الجميع أدرك أن ما يجري ليس مجرد تنافس على مقاعد الكنيست، بقدر ما هو محاكمة شعبية لسنوات الحروب والانقسامات والتطرف.

وقد بلغت نسبة الاقتراع 77 بالمئة، فيما منحت استطلاعات الخروج الأحزاب العربية ما بين ١٧ و١٨ مقعداً، من دون أن يتمكن أي من المعسكرين من بلوغ أكثرية الواحد والستين مقعداً.
هذا الإقبال الكثيف يؤكد أن المجتمع الإسرائيلي يعيش مخاضاً سياسياً واجتماعياً عميقاً، وأن تداعيات حروب نتنياهو أصابت الداخل بقدر ما أشعلت الإقليم. فالحروب التي رُفعت لها شعارات الحسم واستعادة الردع لم تحقق الأمن الموعود، بل وسّعت جبهات المواجهة من غزة إلى لبنان وإيران، وأثقلت الاقتصاد، وعمّقت الانقسامات، وأدخلت إسرائيل في عزلة دولية غير مسبوقة.

لذلك تحولت الانتخابات إلى استفتاء على شخص نتنياهو وتحالفه مع أكثر التيارات الدينية والقومية تطرفاً، وإلى مناسبة لمحاسبته على إخفاقات السابع من أكتوبر، وإطالة أمد الحروب، وتعطيل التحقيق في المسؤوليات، ومحاولات إضعاف القضاء، وتقديم بقائه السياسي على المصالح الاستراتيجية للدولة.

أما التحول الأكثر دلالة، فهو تقدم التمثيل العربي إلى نحو ١٨ مقعداً وفق التقديرات الأولية. فإذا ثبت هذا الرقم، فلن يعود الصوت العربي مجرد قوة اعتراضية، بل سيصبح رقماً حاسماً في منع نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، وربما في رسم هوية الائتلاف المقبل. وقد أثبت توحد الناخبين العرب أن المشاركة المنظمة أكثر فاعلية من المقاطعة، التي سادت في الإنتخابات السابقة، وأن تحويل الثقل السكاني إلى قوة برلمانية متماسكة قادر على إرباك حسابات اليمين المتطرف.

صحيح أن رحيل نتنياهو، إذا حصل، لن يقلب السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة دفعة واحدة، لأن التشدد متجذر في بنية المؤسسة السياسية والعسكرية. لكن إسقاط فريقه المتطرف سيشكل بداية تصحيح ضرورية، ويضع حداً، ولو تدريجياً، لسياسة الهروب إلى الحروب.

لقد انتهى يوم الاقتراع، لكن زلزاله السياسي بدأ للتو. إسرائيل لم تخترْ بعد رئيس حكومتها المقبل، إلا أن صناديقها أصدرت حكماً أولياً واضحاً: شعب أنهكته الحروب، ويمين متطرف فقد القدرة على احتكار القرار، وصوت عربي موحّد خرج من الهامش ليقف في قلب المعادلة. أما نتنياهو، فقد دخل الانتخابات باحثاً عن تفويض جديد للحرب، وخرج منها مهدداً بأن يكون أول ضحاياها السياسيين.

- صلاح سلام - اللواء

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o