8:57 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

المحكمة الجنائية الدولية بين استقلال العدالة وضغوط السياسة

 المحامي عمر محمد زين

منذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، عُلِّقت عليها آمال ‏كبيرة لتكون المرجعية القضائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد ‏الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، بعيداً عن الانتقائية السياسية وهيمنة القوى الكبرى. ‏غير أن مسيرة المحكمة كشفت أن العدالة الدولية ما زالت تصطدم، في كثير من الأحيان، بحسابات ‏النفوذ والمصالح الدولية‎.‎

لقد برز اسم المدعي العام الحالي السابق للمحكمة، كريم خان، بعد اتخاذه خطوات قانونية جريئة في ‏ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها طلب إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين إلى ‏جانب مسؤولين من حركة حماس (بشأن الحركة سيكون لنا مقالاً لاحقاً بالخصوص)، استناداً إلى ما ‏اعتبره وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم تدخل في اختصاص المحكمة. وقبله، واجهت ‏المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا ضغوطاً كبيرة عقب مباشرتها التحقيق في الجرائم المرتكبة في ‏أفغانستان، والتي شملت مزاعم تتعلق بمواطنين أمريكيين، وكذلك بعد فتحها التحقيق في الحالة ‏الفلسطينية‎.‎

ولم يكن مستغرباً أن تواجه هذه الخطوات ردود فعل أمريكية وإسرائيلية حادة، وصلت إلى حد ‏فرض عقوبات وإجراءات ضد مسؤولين في المحكمة، في محاولة واضحة للضغط على المؤسسة ‏القضائية الدولية وثنيها عن متابعة بعض الملفات الحساسة‎.‎
وهنا يبرز سؤال قانوني جوهري‎: ‎هل هذه العقوبات والضغوط الأمريكية مشروعة؟

من الناحية القانونية، لا يتضمن نظام روما الأساسي أي نص يجيز لأي دولة فرض عقوبات على ‏المدعي العام أو القضاة أو موظفي المحكمة بسبب ممارستهم اختصاصاتهم القضائية. بل إن النظام ‏الأساسي يؤكد استقلال المحكمة واستقلال قضاتها ومدعيها العام، ويُلزم الدول الأطراف بالتعاون ‏معها، لا بممارسة الضغوط عليها‎.‎

أما الولايات المتحدة، فهي ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي بعد أن سحبت توقيعها عليه، ‏وبالتالي فهي لا تخضع لالتزاماته التعاقدية. غير أن عدم الانضمام إلى النظام لا يمنح أي دولة، من ‏منظور القانون الدولي ومبدأ استقلال القضاء الدولي، حق معاقبة القضاة أو المدعين العامين بسبب ‏قيامهم بمهامهم القضائية. لذلك يرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن هذه العقوبات تمثل تدخلاً ‏سياسياً في عمل مؤسسة قضائية دولية، حتى وإن استندت الدولة التي فرضتها إلى تشريعاتها ‏الداخلية‎.‎

أما كيفية مواجهة هذه الضغوط، فإن ذلك لا يكون بالشعارات، بل عبر خطوات عملية، أهمها أن ‏تتخذ الدول الأطراف في نظام روما الأساسي موقفاً موحداً في الدفاع عن استقلال المحكمة، وأن ‏ترفض أي إجراءات تستهدف موظفيها بسبب عملهم القضائي، إضافة إلى تعزيز الدعم السياسي ‏والمالي للمحكمة، وتفعيل دور المنظمات الإقليمية والدولية ونقابات المحامين والهيئات الحقوقية ‏للدفاع عن استقلال العدالة الدولية باعتبارها مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره‎.‎

ويبقى السؤال الأكثر حساسية‎: ‎هل تريد الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها أن تكون المحكمة ‏الجنائية الدولية خاضعة لتوجيهاتها السياسية؟

إن الوقائع توحي بأن بعض القوى الكبرى تؤيد المحكمة عندما تنسجم قراراتها مع مصالحها، لكنها ‏تعارضها عندما تقترب من محاسبة حلفائها أو مواطنيها. وهذا ما يثير انطباعاً واسعاً بازدواجية ‏المعايير في التعامل مع العدالة الدولية‎.‎

أما في ما يتعلق بإسرائيل، فإن الانتقادات الموجهة إليها لا تقتصر على مواقف سياسية، بل ترتبط ‏أيضاً بالتحقيقات الجارية أمام المحكمة والاتهامات المتعلقة بارتكاب جرائم تدخل ضمن ‏اختصاصها. وفي المقابل، فإن المبدأ القانوني الصحيح يقتضي أن يخضع جميع المتهمين، أياً كانت ‏جنسياتهم أو انتماءاتهم، للإجراءات القضائية ذاتها، دون حصانة سياسية أو تمييز‎.‎

فالعدالة الدولية تفقد قيمتها إذا أصبحت انتقائية، وتفقد هيبتها إذا خضعت لضغوط الدول الكبرى، ‏كما تفقد مشروعيتها إذا استُخدمت ضد الضعفاء وغابت عن الأقوياء‎.‎

إن استقلال المحكمة الجنائية الدولية ليس شأناً يخص القضاة أو المدعين العامين وحدهم، بل هو ‏ركيزة من ركائز النظام القانوني الدولي. وإذا سُمح للضغوط السياسية أو العقوبات الاقتصادية أن ‏تحدد من يُحاسَب ومن يُستثنى، فإن العالم لن يكون أمام عدالة دولية، بل أمام عدالة انتقائية تُقاس ‏بموازين القوة لا بمبادئ القانون‎.‎

ومن هنا، فإن الدفاع عن استقلال المحكمة الجنائية الدولية هو دفاع عن سيادة القانون الدولي، وعن ‏حق الشعوب في أن ترى مرتكبي الجرائم الدولية يمثلون أمام قضاء مستقل، بعيداً عن أي نفوذ ‏سياسي أو ابتزاز اقتصادي، لأن العدالة التي تخضع للضغوط ليست عدالة، والمحكمة التي تُدار ‏بالإملاءات لا تستطيع أن تكون ضمير الإنسانية‎.‎

أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)‏

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o