كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
صرخة في وجه اختلال ميزان العدالة...
عندما نتحدث عن الرواتب والتعويضات، لا يجوز أن ننظر فقط إلى الأرقام الجامدة، بل يجب أن ننظر إلى حجم المسؤولية التي تقف خلف كل رقم.
هناك من يعمل في ظروف طبيعية، وهناك من يحمل الوطن على كتفيه، يحمل سلاحه ويحمل معه احتمال التضحية بحياته في كل لحظة.
إذا أردنا أن نحسبها بلغة الأرقام، فإن من يحمي الوطن ويتقاضى راتبًا لا يتجاوز ٣٠٠ دولار شهريًا يحصل في السنة على ٣٦٠٠ دولار. هذا المبلغ هو مقابل سنة كاملة من الخدمة والجهوزية، مقابل ٣٦٥ يومًا لا يعرف فيها معنى العطلة الحقيقية، ولا يملك رفاهية اختيار الوقت الذي يكون فيه إلى جانب عائلته.
إنه الإنسان الذي يغيب عن نمو أولاده، لا يرافقهم في أفراحهم، وقد لا يكون حاضرًا عندما يمرضون، لأن الواجب وضعه في مكان آخر. هو الذي تترك الزوجة وحدها تحمل أعباء المنزل وتربية الأولاد، وهي تعرف أن شريك حياتها اختار طريق التضحية.
وعندما نقسم هذا الراتب على ساعات السنة، نجد أن قيمة ساعة الجهوزية لمن يحمي الوطن لا تتجاوز عشرات السنتات.
وفي المقابل، عندما تُحتسب مداخيل بعض المسؤولين على أساس سنوي مقابل حضور جلسات رسمية محدودة، يظهر حجم الفارق بين قيمة الساعة هنا وقيمة الساعة هناك.
المشكلة ليست أن يحصل أي مسؤول على راتب يليق بموقعه، فالمسؤولية يجب أن تُقدّر، لكن السؤال الحقيقي هو:
هل من المنطقي أن تكون قيمة ساعة من يشرّع القوانين أو يجلس في موقع المسؤولية أعلى بكثير من قيمة ساعة من يقف في وجه الخطر ويحمي الدولة ومواطنيها؟
الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الضباط والعسكريين لا يخرجون من الخدمة كما دخلوها.
سنوات المواجهة والضغط والحرمان تترك آثارها: إصابات، أمراض، أوجاع جسدية ونفسية، وتبعات ترافقهم بعد التقاعد.
هؤلاء الذين دفعوا من صحتهم وراحتهم، أليس أقل ما يستحقونه أن يجدوا الدولة إلى جانبهم؟
لكن المفارقة المؤلمة أن بعض المتقاعدين، وبعد عشرات السنين من الخدمة، إذا احتاجوا إلى سائق بسبب إصابة أو عجز تركته سنوات الخدمة، يُحسم من راتبهم مبلغ ٢٣٠ دولارًا شهريًا بدل سائق.
أي رسالة نوجهها إلى من خدموا الوطن؟
هل نقول لهم: شكرًا على تضحياتكم؟
أم نقول لهم: بعد أن أعطيتم صحتكم وعمركم، تحملوا وحدكم كلفة ما أصابكم؟
الدولة لا تُقاس فقط بمؤسساتها وقوانينها، بل بطريقة تعاملها مع الذين وقفوا لحمايتها.
فالوفاء ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حق يُمارس في القرارات.
من حق كل مواطن أن يسأل:
كيف نطلب من إنسان أن يضحي بعمره من أجل الوطن، ثم نجعله يشعر بعد تقاعده أنه عبء على الدولة؟
إن كرامة العسكري والمتقاعد ليست منّة من أحد، بل هي جزء من كرامة الوطن نفسه.
ومن لا يحفظ حقوق من حمَوه، يفقد قبل كل شيء معنى الدولة والعدالة والوفاء.






