9:44 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

إعادة هيكلة المصارف: وضع العربة أمام الحصان

منذ خريف عام 2019، جرى تقديم الأزمة اللبنانية وكأنها أزمة تقنية ومالية بحتة، ناجمة أساساً عن «الهندسات المالية» التي نفّذها مصرف لبنان مع المصارف التجارية، وعن أرباح المصارف، وكلفة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وارتفاع الفوائد، وتحويل الأموال إلى الخارج، وعجز الميزان التجاري وارتفاع الاستهلاك. غير أنّ هذه العوامل، على أهميتها وضرورة دراستها، لا تكفي وحدها لتفسير الانهيار.

فقد تمّ إلى حدّ بعيد تجاهل الأسباب السياسية والأمنية والإدارية، وفي مقدّمها نهب القطاع العام، والتوظيف العشوائي، والإنفاق من دون موازنات منتظمة، والزبائنية السياسية، وتسييس القضاء، والاقتصاد الموازي، والتهريب عبر الحدود، وزجّ لبنان في صراعات إقليمية لا تخدم مصلحته الوطنية. وهكذا جرى التركيز على مصرف لبنان والقطاع المصرفي، فيما غابت عن دائرة المحاسبة القوى التي امتلكت القرار السياسي والأمني وعطّلت مؤسسات الدولة.

لا يمكن تحميل حكومة حسان دياب وحدها مسؤولية أزمة تراكمت أسبابها على مدى عقود. إلا أنّ أربع قرارات اتُخذت أو اعتُمدت في عهدها ساهمت في تحويل أزمة خطيرة إلى انهيار شامل:

أولاً، لم يُقرّ قانون فوري وموحّد لضبط حركة رؤوس الأموال. وقد أدّى هذا الفراغ القانوني إلى قيود مصرفية استنسابية، وإلى تفاوت في معاملة المودعين، وإلى استمرار استنزاف السيولة. وكان من الممكن اعتماد قانون استثنائي ومؤقت يحمي المساواة بين المواطنين، مستفيداً من تجارب لبنان السابقة بعد حرب عام 1967 وأزمة بنك إنترا.

ثانياً، قرّرت الحكومة التخلّف عن دفع سندات اليوروبوند في آذار/مارس 2020، وكانت الدفعة المستحقة تبلغ 1.2 مليار دولار، تليها دفعتان بقيمة نحو 700 مليون دولار في نيسان و600 مليون دولار في حزيران، فيما كانت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تُقدَّر بنحو 29 مليار دولار في نهاية شباط 2020. وكان بالإمكان تسديد الاستحقاقات القريبة بالتوازي مع فتح مفاوضات منظّمة لإعادة هيكلة الدين بالتعاون مع الدائنين وصندوق النقد الدولي. إلا أنّ إعلان التعثر من دون اتفاق مسبق أو خطة واضحة دمّر صدقية الدولة، وخفّض تصنيفها، وعزل لبنان عن الأسواق المالية.

ثالثاً، اعتمدت الحكومة سياسة دعم شملت أكثر من 300 سلعة بدلاً من تقديم مساعدة مباشرة إلى العائلات المحتاجة. ومع تعدّد أسعار الصرف وضعف الرقابة على الحدود، أدّى هذا النظام إلى الاحتكار والتخزين والتهريب، ولا سيما باتجاه سوريا، بينما عانى اللبنانيون من فقدان السلع والطوابير الطويلة. وقد قُدّرت كلفة الدعم بما بين 12 و14 مليار دولار، استُنزفت من الاحتياطات التي تمثّل في نهاية المطاف حقوق المودعين. وهذا المبلغ يناقض الحجة القائلة إنّ الدولة عجزت عن دفع 1.2 مليار دولار لتجنّب التعثر غير المنظّم.

رابعاً، حملت الخطة التي أُعدّت بالتعاون مع شركة لازارد رؤية حكومية كان من شأنها تحميل المودعين والقطاع المصرفي القائم القسم الأكبر من الخسائر، وإلغاء الجزء الأكبر من الودائع، واستبدال المصارف القائمة بعدد محدود من المصارف الجديدة. وقد رُوّج للخطة على أساس أنها تعيد غالبية الودائع، من دون تقديم جواب مقنع عن مصدر الأموال، والأصول التي ستُستخدم، والمدة الزمنية اللازمة.

ساهمت هذه القرارات في استنزاف الاحتياطات، وتعميق أزمة السيولة، وتوسّع الاقتصاد النقدي القائم على التعامل بالكاش، وعزل لبنان مالياً ودولياً. لكن إبراز هذه المسؤوليات لا يعني تبرئة مصرف لبنان أو المصارف أو الحكومات السابقة. المطلوب هو تحديد مسؤولية كل طرف وفقاً لصلاحياته الفعلية والتزاماته القانونية، لا تحويل جهة واحدة إلى كبش فداء وإعفاء أصحاب السلطة السياسية والأمنية.

إنّ أي حلّ جدي يبدأ باستعادة سلطة الدولة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتطبيق القانون على الجميع، واستقلال القضاء وشفافية المالية العامة. وبعد ذلك يجب إقرار قانون عادل ومموّل لإعادة الودائع وتوزيع الخسائر، وإعادة هيكلة المصارف وفق معايير دولية واضحة، والتفاوض على الدين العام وإصلاح الإدارة والمؤسسات العامة.

فإعادة هيكلة المصارف قبل تحديد مصادر التمويل تعني وضع العربة أمام الحصان. القوانين تستطيع توزيع المسؤوليات والخسائر، لكنها لا تخلق الأموال من العدم. والأزمة اللبنانية مالية في مظاهرها، لكنها سياسية في جذورها. وما لم تُعالج هذه الحقيقة، سيبقى المودعون يدفعون ثمن نظام لم يكونوا هم من حكمه أو اتخذ قراراته.

أنطوان منسى

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o