2:55 PMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

التطبيع الأمني… عندما تتغير صورة العدو

بقلم المحامي عمر زين

إذا كان التطبيع السياسي يهدف إلى تغيير طبيعة العلاقات بين الدول، والتطبيع الاقتصادي إلى بناء المصالح المشتركة، فإن التطبيع الأمني يمثل مرحلة أكثر حساسية، لأنه يدخل مباشرة في صميم أمن الدولة وسيادتها ومعلوماتها وقراراتها الاستراتيجية.

فالأمن لا يتعلق فقط بالسلاح، بل يشمل المعلومات والاستخبارات والحدود ومكافحة الجرائم والإرهاب والتكنولوجيا والأمن السيبراني وحماية المنشآت الحيوية. ولذلك فإن أي انتقال من حالة الخصومة أو العداء إلى التعاون الأمني يحتاج إلى دراسة دقيقة، لأن نتائجه قد تتجاوز المجال الأمني إلى السياسة والسيادة الوطنية.

ماذا يعني التطبيع في الأمن؟

التطبيع الأمني يعني الانتقال من حالة القطيعة أو عدم التعاون الأمني إلى إقامة علاقات وتنسيق وتعاون بين أجهزة أو مؤسسات أمنية كانت في السابق على طرفي صراع أو خصومة.

وقد يبدأ الأمر بتبادل معلومات محدودة، ثم يتوسع إلى الاتصالات المباشرة، والتنسيق في بعض الملفات، والتدريب، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، وربما التعاون الاستخباراتي.

ولا يعني كل تعاون أمني بالضرورة تطبيعاً؛ فالدول قد تتعاون في مكافحة الجريمة أو الإرهاب وفق مصالح مشتركة. لكن التطبيع الأمني يصبح أكثر وضوحاً عندما يكون جزءاً من عملية أوسع لتحويل العلاقة من الخصومة إلى الشراكة الأمنية.

ماذا يُستهدف في الأمن؟

أول ما يمكن أن يستهدفه التطبيع الأمني هو المعلومات.

فالمعلومات الاستخباراتية والأمنية من أكثر العناصر حساسية، لأنها تتعلق بتحركات الأشخاص والجماعات، والحدود، والمنشآت الحيوية، والقدرات الأمنية والعسكرية، والتهديدات المحتملة.

وقد يستهدف كذلك التنسيق بين الأجهزة الأمنية، من خلال إنشاء قنوات اتصال مباشرة أو عقد اجتماعات مشتركة أو وضع آليات للتعاون.

ومن المجالات الأخرى التكنولوجيا الأمنية، كأنظمة المراقبة والاتصالات وحماية الحدود والأمن السيبراني وتحليل البيانات.

كما يمكن أن يشمل التدريب وتبادل الخبرات، بحيث يصبح أفراد ومؤسسات أمنية على اتصال دائم مع الطرف الآخر.

وقد يصل الأمر إلى الحدود والمجال البحري والجوي، من خلال ترتيبات أمنية أو تنسيق يتعلق بالمراقبة والحركة وحماية المنشآت.

أما أخطر ما يمكن أن يُستهدف فهو القرار الأمني والسيادي نفسه، عندما تصبح الدولة معتمدة في بعض ملفات أمنها على طرف خارجي أو مرتبطة به بصورة تؤثر في قدرتها على اتخاذ قرار مستقل.

كيف تتم عملية التطبيع الأمني؟

غالباً لا تبدأ العملية بإعلان كبير، بل بخطوات تدريجية.

قد تبدأ باتصالات غير مباشرة، ثم لقاءات بين مسؤولين أمنيين، ثم إنشاء قنوات اتصال، ثم اتفاقيات تعاون محدودة في مجالات مثل مكافحة الجريمة أو الإرهاب.

بعد ذلك يمكن أن تتوسع إلى تبادل المعلومات والخبرات والتدريب والتكنولوجيا، وصولاً إلى تنسيق أوسع بين المؤسسات الأمنية.

وهكذا تنتقل العلاقة من عدم التواصل إلى الاتصال، ومن الاتصال إلى التنسيق، ومن التنسيق إلى التعاون، ومن التعاون إلى شراكة أمنية.

وهنا تكمن أهمية التدرج؛ لأن ما قد يبدو في البداية تعاوناً تقنياً محدوداً يمكن أن يتحول مع الوقت إلى علاقة أمنية واسعة.

عندما تتغير صورة الخصم

من أخطر نتائج التطبيع الأمني أنه قد يؤدي إلى تغيير صورة الطرف الآخر.

فالطرف الذي كان يُنظر إليه باعتباره خصماً أو تهديداً أمنياً قد يصبح، بعد سنوات من التنسيق، «شريكاً أمنياً» أو «طرفاً متعاوناً».

وهذا التغيير لا يكون أمنياً فقط، بل قد ينعكس على السياسة والإعلام والرأي العام.

فإذا تغيرت طريقة التعامل مع الخصم داخل المؤسسات الأمنية، يمكن أن تتغير تدريجياً طريقة النظر إليه في بقية مؤسسات الدولة.

الأمن والسيادة

الأمن مرتبط بصورة مباشرة بالسيادة الوطنية.

ولهذا فإن أي تعاون أمني يجب أن يحافظ على استقلال القرار الوطني، وأن يكون واضح الحدود والاختصاصات، وأن يخضع للقانون والرقابة المؤسساتية.

فمشاركة المعلومات أو التكنولوجيا أو الخبرات يجب ألا تعني التخلي عن استقلال الدولة أو السماح بالتدخل في شؤونها الداخلية.

كما أن حماية البيانات والمعلومات الشخصية أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من الأمن، خصوصاً مع تطور أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

هل كل تعاون أمني هو تطبيع؟

الجواب: لا.

فالتعاون بين الدول في مكافحة الجريمة المنظمة أو الإرهاب أو القرصنة أو الجرائم الإلكترونية قد يكون ضرورياً ومشروعاً، بحسب القانون والاتفاقيات التي تنظمه.

لكن الفارق يكمن في طبيعة التعاون وهدفه وسياقه ومداه.

فالتعاون المحدود لتحقيق هدف أمني محدد يختلف عن بناء منظومة أمنية مشتركة تؤدي إلى تغيير طبيعة العلاقة بين طرفين كانا في حالة صراع.

كما أن التعاون الأمني لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز حقوق الإنسان أو تبرير انتهاكات القانون.

التطبيع الأمني… المرحلة الأكثر حساسية

قد يبدأ التطبيع الأمني بمعلومة، أو اتصال، أو اجتماع، أو دورة تدريبية، ثم يتطور إلى اتفاق، ثم إلى شبكة من المصالح والاعتمادات الأمنية.

ولذلك فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: هل هناك تعاون أمني؟

بل يجب أن نسأل:

ما طبيعة هذا التعاون؟ وما المعلومات التي يتم تبادلها؟ ومن يملك القرار؟ وهل يحافظ التعاون على السيادة الوطنية؟ وهل يخضع للقانون والرقابة؟

فالأمن ضرورة لكل دولة، والتعاون الأمني قد يكون مفيداً عندما يحمي الشعوب ويحترم السيادة والقانون. لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول إلى وسيلة لتغيير التحالفات أو اختراق القرار الوطني أو إعادة تعريف الخصم من دون معالجة أسباب الصراع.

إن أخطر ما في التطبيع الأمني أنه قد لا يُرى بالعين كما تُرى السفارات أو الاتفاقيات التجارية؛ فهو يجري غالباً في غرف مغلقة، وفي المعلومات، والاتصالات، والتدريب، والتكنولوجيا.

ولهذا فإن الوعي به ضروري، لأن ما يبدأ كتعاون أمني محدود قد ينتهي بعلاقة أمنية كاملة، وعندها لا تتغير فقط طبيعة التعاون، بل قد تتغير أيضاً صورة العدو، وموازين القوة، وحدود القرار والسيادة.

أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o