3:51 PMClock
متفرقات
  • Plus
  • Minus

الراعي من "الكسليك": مسؤوليتنا المحافظة على تراثنا الليتورجي ونقله إلى الأجيال

المركزية - برعاية وحضور البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، أحيت جامعة الروح القدس – الكسليك اليوبيل الذهبي لصدور أول كتاب من كتب الفرض الإلهي، الصادر عن معهد الليتورجيا وكلية الموسيقى، وذلك خلال مؤتمر بعنوان: "يوبيل محطّة مجيدة في الليتورجيا المارونية"، جمعت شخصيات سياسية وكنسية ورهبانية وأكاديمية، تقدّمهم وزير الاتصالات شارل الحاج، ولفيف من المطارنة ورئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الأعلى للجامعة قدس الأب العام هادي محفوظ، وعدد من الرؤساء العامين والرئيسات العامات والآباء والإخوة والأخوات، إلى جانب عدد من المهتمين بالتراث الليتورجي الماروني.

الأب غنطوس

استهل المؤتمر بكلمة لمدير معهد الليتورجيا الأب شربل غنطوس، استعاد فيها مسيرة المعهد بمناسبة مرور خمسين عامًا على صدور كتاب "أسبوع الآلام"، باكورة إصداراته، معتبرًا أن هذه المناسبة تتجاوز استذكار محطة تاريخية لتشكّل احتفاءً بخمسين عامًا من الصلاة والبحث والخدمة، والجهود الرامية إلى إحياء غنى التراث الليتورجي الماروني وتعميق عيشه في حياة الكنيسة.

وتوقّف عند مسيرة المعهد منذ تأسيسه عام 1969 بمبادرة من الرهبانية اللبنانية المارونية وبرعاية الأباتي يوحنا تابت، مشيرًا إلى دوره الأكاديمي والكنسي، وإلى تخريجه مئات الطلاب، وإصداراته التي شملت مختلف الأزمنة الطقسية، فضلاً عن إسهاماته في البحث والتعليم ودراسة الطقوس الشرقية وتعزيز الحوار بين الكنائس.

وأكد أن نهج التجديد الليتورجي الذي اعتمده المعهد يقوم على ركيزتين أساسيتين: الأمانة لتراث الآباء والانفتاح على متطلبات العصر، بالاستناد إلى كلمة الله وتقليد الكنيسة والصلاة والبحث اللاهوتي والليتورجي.

الأب مطر

ثم قدّم الأستاذ المحاضر في معهد الليتورجيا الأب هاني مطر عرضًا بعنوان: "ذكريات من بدايات معهد الليتورجيا مع عَلمَين من أعلام التجديد الليتورجي الماروني: إرث الأب الأباتي يوحنّا تابت والأب يوحنّا الخوند"، مستعيدًا المحطات التأسيسية والإسهامات التي طبعت مسيرة المعهد.

الأب حبيقة

كما ألقى النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية الأب البروفسور جورج حبيقة مداخلة تناولت موضوع تأصيل الألحان ودوزنة الأوزان، مسلّطة الضوء على الدور الريادي للأبوين لويس الحاج وروفايل مطر، بوصفهما من أعمدة التجديد الليتورجي الماروني.

الأب العام محفوظ

واستعاد الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الأعلى لجامعة الروح القدس – الكسليك، قدس الأب العام هادي محفوظ، مسيرة التجديد الليتورجي التي انطلقت في الجامعة أواخر ستينيات القرن الماضي، معتبراً أن صدور كتاب "أسبوع الآلام" عام 1976 شكّل محطة مفصلية في تاريخ الليتورجيا المارونية، وأرسى أساساً لسلسلة من الكتب والرتب الطقسية التي أسهمت في تنظيم الحياة الليتورجية وإغنائها.

وأوضح أن هذه الحركة التجديدية، التي جاءت في سياق الدعوة التي أطلقها المجمع الفاتيكاني الثاني عبر دستور الليتورجيا المقدسة، هدفت إلى إعادة إحياء التراث الشرقي، وتعزيز مشاركة المؤمنين الواعية والفاعلة في الاحتفالات، من خلال تطوير النصوص والصلوات والألحان والموسيقى، وتأمين الكتب الطقسية التي تساعد الشعب على عيش السنة الليتورجية بكامل أبعادها. ولفت إلى أن هذه الإصدارات أحدثت تحولًا نوعيًا في الحياة الطقسية المارونية، وانتشرت في الرعايا والرهبانيات، وأسهمت في تنشئة المؤمنين ليتورجياً، ومهّدت لإصدار كتاب القداس الماروني بنسختيه عامي 1992 و2005.

وأشار الأب محفوظ إلى الدور الريادي لمعهد الليتورجيا ومعهد العلوم الموسيقية في هذه المسيرة، منوّهًا بإسهامات عدد من الآباء الذين شكّلوا أعمدة الإصلاح، وفي مقدّمهم الأباتي يوحنا تابت، مؤسس معهد الليتورجيا وقائد ورشة التجديد، والأب لويس الحاج، رائد الموسيقى المقدسة ومؤسس معهد العلوم الموسيقية، والأب روفائيل مطر، بما قدّمه من إبداع شعري ولغوي وفكري، والأب الحبيس يوحنا الخوند، الذي وصفه بدينامو فريق العمل، مشيدًا بنبوغه في اللغات والشعر والعلم، وبعطائه المتواصل في خدمة الكنيسة.

كما استعاد إسهامات الرهبان والأساتذة والباحثين الذين شاركوا في ورشة الإصلاح، مشددًا على أن ما تحقق لم يكن مجرد إصدار كتب طقسية، بل تأسيس نهج كنسي وأكاديمي قائم على الأمانة للتقليد والانفتاح على متطلبات العصر، وعلى جعل الليتورجيا تعبيراً حياً عن إيمان الكنيسة ووحدتها.

كما أكد أهمية توحيد الإصدارات الليتورجية تحت سلطة الكرسي البطريركي في بكركي، بما يعزّز الوحدة الكنسية ويعيد جميع المؤمنين إلى كتاب ليتورجي موحّد، مشيراً إلى الاتفاق الذي أُبرم بين اللجنة البطريركية الليتورجية والرهبانية اللبنانية المارونية بشأن الإصدارات وحقوقها وإعادة بعض النصوص الشعرية إلى أصولها، معتبراً إياه خطوة تأسيسية لاتفاقات كنسية مماثلة.

وفي ختام كلمته، وجّه الأب محفوظ الشكر إلى صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي لرعايته الاحتفال وحضوره، وإلى وزير الاتصالات شارل الحاج، ورئيس الجامعة الأب جوزف مكرزل، وجميع القيّمين والأساتذة والمساهمين في تنظيم المناسبة، مستعيدًا ذكريات خمسين عامًا مضت، ومعبّرًا عن امتنانه للنعمة التي أتاحتها له الحياة بالتعرّف إلى رواد الإصلاح والعيش من غنى إنتاجهم الليتورجي.

البطريرك الراعي

ثم ألقى البطريرك الراعي كلمة شدد فيها على أن الاحتفال بمرور خمسين سنة على صدور الكتاب الأول من كتب الفرض الإلهي الماروني ليس مجرد محطة لاستذكار إنجازات الماضي، بل مناسبة للتفكير في مسؤولية الكنيسة تجاه تراثها الروحي، وكيفية المحافظة عليه وفهمه بعمق ونقله إلى الأجيال المقبلة.

وقال البطريرك الراعي إن الليتورجيا "ليست أمرًا ثانويًا في حياة الكنيسة، ولا مجرد مجموعة من النصوص والطقوس التي نحافظ عليها احترامًا للماضي، إنما هي في صميم حياة الكنيسة ورسالتها"، موضحًا أنها المكان الذي تجتمع فيه الجماعة المؤمنة حول الرب، وتصغي إلى كلمته، وتحتفل بأسراره، وتعبّر عن إيمانها بالصلاة والترتيل.

واستشهد بتعليم المجمع البطريركي الماروني الذي يعتبر الليتورجيا "الكنز الحي للكنيسة المارونية"، وبالدستور حول الليتورجيا المقدسة الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي يصفها بأنها "القمة التي يتجه إليها عمل الكنيسة، والينبوع الذي تنبع منه قوتها".

وأكد أن الليتورجيا لا تنفصل عن رسالة الكنيسة، لأنها تشكل ينبوع حياتها الروحية، ومصدر وحدتها، والتعبير الأصيل عن إيمانها وهويتها.

العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق والتجديد لا يعني التخلي عن التراث

وتوقف غبطته عند غنى التراث الماروني الذي وصل إلى الكنيسة عبر قرون طويلة، وحفظته الأديرة والكنائس والصلوات والأناشيد والمزامير والمخطوطات، معتبرًا أن هذا التراث يحمل صوت أنطاكية السريانية، ويكشف عمق الكتاب المقدس في الصلاة المارونية.

وشدد على أن العودة إلى المصادر السريانية والمخطوطات القديمة ضرورة لفهم الهوية الليتورجية المارونية والمحافظة على أصالتها، لافتًا إلى أن المجمع البطريركي الماروني أكد ضرورة أن يستند التجديد إلى الينابيع والأصول.

وأوضح أن العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق في الماضي، كما أن التجديد لا يعني التخلي عما تسلمته الكنيسة من تراثها، بل يقتضي الجمع بين المحافظة على التقليد الصحيح والانفتاح على البحث التاريخي واللاهوتي والرعوي.

ورأى أن التحدي الأساسي يكمن في أن يبقى التراث الليتورجي حيًا في صلاة المؤمنين، وألا يتحول إلى مجرد مادة للدراسة أو ذاكرة محفوظة في الكتب.

 رواد التجديد الليتورجي: إرث علمي وروحي يجب المحافظة عليه

وأشاد البطريرك الراعي بالدور الذي أدته الرهبانية اللبنانية المارونية وجامعة الروح القدس – الكسليك في احتضان البحث الليتورجي، معتبرًا أن تأسيس معهد الليتورجيا سنة 1969 شكّل محطة أساسية في تنظيم هذا العمل وتطويره.

وخصّ بالذكر الأباتي يوحنا تابت، الذي انتقل إلى بيت الآب، مشيدًا بجهوده في دراسة المصادر والمخطوطات الليتورجية وإظهار غنى التقليد الماروني، وباهتمامه بالفرض الإلهي والتراث السرياني ومصادر الصلاة والترتيل.

كما وجّه تحية تقدير وامتنان إلى الأب الحبيس يوحنا خوند، الذي كرّس حياته لخدمة النصوص الليتورجية والكتاب المقدس، مؤكدًا أن الليتورجيا تحتاج إلى من يدرس مصادرها، كما تحتاج إلى من يساعد الكنيسة على التعبير عن إيمانها بلغة مفهومة وأمينة.

واستذكر كذلك إسهامات الأب روفائيل مطر والأب عمانوئيل خوري وسائر الذين شاركوا في مسيرة التجديد، مشددًا على أن هذا الإنجاز كان ثمرة جهد جماعي تكاملت فيه خبرات الأشخاص والمؤسسات على مدى عقود.

أربع مسؤوليات لمستقبل الليتورجيا المارونية

وانطلاقًا من تعليم المجمع البطريركي الماروني، حدد غبطته أربع مسؤوليات مترابطة تبرز اليوم أمام الكنيسة المارونية، وتتمثل في مسؤولية البحث العلمي، ومسؤولية التنشئة، ومسؤولية الترتيل والموسيقى الكنسية، ومسؤولية وصل الصلاة بالحياة

وأوضح أن البحث العلمي يقتضي مواصلة دراسة المخطوطات وتحقيق النصوص والعودة إلى المصادر السريانية الأنطاكية، لكي يستند التجديد الليتورجي إلى أسس تاريخية ولاهوتية راسخة.

أما التنشئة، فتقتضي نقل المعرفة الليتورجية من المعاهد والجامعات إلى الكهنة والرهبان والراهبات والإكليريكيين والمؤمنين، ومساعدتهم على فهم ما يصلّونه، والمشاركة الواعية في الاحتفالات الكنسية.

وشدد على أن الترتيل والموسيقى الكنسية يشكلان عنصرين أساسيين في التعبير عن الإيمان، ما يستوجب المحافظة على أصالة الألحان المارونية وإحيائها، بعيدًا عن كل ما يفقدها طابعها الروحي.

أما المسؤولية الرابعة، وهي وصل الصلاة بالحياة، فاعتبرها غبطته جوهر الرسالة الليتورجية، لأن الصلاة لا تبلغ غايتها إذا بقيت محصورة في النصوص والاحتفالات، بل ينبغي أن تتحول إلى شهادة يومية في العائلة والمجتمع والعالم.

وأكد أن الهدف من التجديد الليتورجي هو فتح الطريق أمام المؤمن ليدخل إلى عمق الصلاة، وأن يُساعد على أن يصلي ما يؤمن به، ويفهم ما يصليه، ويحمل هذه الصلاة إلى بيته وحياته.

وفي ختام كلمته، دعا البطريرك الراعي إلى المحافظة على الليتورجيا المارونية بوصفها ذاكرة حية لإيمان الآباء، وصوتًا يصلي في قلب الكنيسة، ولقاءً متجددًا بالمسيح، ومدرسة للوحدة، وينبوعًا للرسالة والرجاء في لبنان والشرق والعالم.

وشدد على أن الأمانة للتراث لا تتحقق بمجرد حفظ النصوص في الكتب، بل بإحيائها في الصلاة، ونقلها إلى الأجيال، وجعلها مصدرًا متجددًا للحياة الروحية والكنسية.

وختم غبطته بالقول: "فلنبقَ لليتورجيتنا ذاكرة حية لإيمان آبائنا، وصوتًا يصلي في قلب كنيستنا، ولقاءً متجددًا بالمسيح، ومدرسة للوحدة، وينبوعًا للرسالة والرجاء في لبنان والشرق والعالم. ولإلهنا المجد والشكر إلى الأبد. آمين".

 تكريم الأب الناسك يوحنا خوند تقديرًا لعطائه في خدمة الكنيسة

وفي ختام المؤتمر، كرّم صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الأب الناسك يوحنا خوند، البالغ من العمر تسعين عامًا، تقديرًا لمسيرته الرهبانية والروحية والعلمية، ولما قدّمه على مدى عقود من خدمة جليلة للكنيسة المارونية، ولا سيما في مجال الكتاب المقدس وترجمة النصوص الليتورجية وإعداد صلوات الفرض الإلهي.

وشكّل هذا التكريم لفتة وفاء وعرفان إلى أحد أبرز رواد النهضة الليتورجية المارونية، الذي كرّس حياته للصلاة والبحث والعمل في صمت، وأسهم في المحافظة على أصالة التراث الكنسي ونقله إلى الأجيال، ليبقى إرثه الروحي والعلمي حاضرًا في حياة الكنيسة وصلاتها.

وتخلّل المؤتمر أناشيد وألحان من التراث الليتورجي الماروني، من بينها لحن مأخوذ من الشحيمة المارونية – الكسليك (1982)، ولحن من زمن القيامة – الكسليك (1977)، وقد أضفت الألحان المارونية طابعًا روحيًا وتراثيًا مميزًا على الاحتفال، إذ أدّتها جماعة الإخوة الدارسين في الرهبانية اللبنانية المارونية بقيادة الأب أنطوان سلامه.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o