طوني جبران
المركزية – قبل الكشف عن شكل ومضمون الاتفاق الذي قد يتم التوصل اليه، بين واشنطن وطهران بصيغته النهائية، سيبقى أي بند من بنوده خاضعا للتشكيك الى ان يصبح نصا رسميا لا يحمل أي تأويل. ولذلك لا يمكن إعطاء أي تفسير لأي منها كما هو حاصل في كل من تل أبيب وطهران وبيروت وواشنطن وغيرها من العواصم التي اعتبرت انها معنية بما تحقق. فكل ما هو متفق عليه في خطوطه العريضة يشير الى وقف الحرب في إيران ولبنان ودول الخليج العربي كما على مختلف الجبهات، ومعها الساحات التي طالتها العمليات العسكرية بأشكالها وتداعياتها المختلفة منذ 28 شباط الماضي وحتى اليوم.
وبمعزل عن ردًات الفعل العربية والغربية إزاء ما تم التوصل اليه، وعلى وقع ادعاء الأطراف كافة بانتصارها في الحرب، توقفت مراجع ديبلوماسية وسياسية محلية في قراءتها للمعطيات الأولية التي ظهرت على الساحة اللبنانية، فقالت لـ "المركزية" ان من السخف بمكان ان تصدر عن بعض قيادات "حزب الله" ونوابه مواقف تتحدث "بكل ثقة" عما سمته "إنجازا كبيرا" قد تحقق على الساحة اللبنانية من "مسار إسلام آباد". وبدأت على الفور بما يشبه "استكشافا مبكرا" لأحداث المرحلة المقبلة ومحطاتها بما فيها "برمجة وهمية" للانسحاب الإسرائيلي المتوقع دون قيد او شرط. مع التهديد بان الحزب لن يوقف النار قبل ان يثبت الإسرائيليون التزامهم به وببرنامج واضح للانسحاب من بوابة العناوين الخمسة التي يتحدثون عنها، بحيث يضاف إليهما ثلاثية أخرى تجمع ملف الافراج عن الاسرى والمعتقلين مع عودة النازحين الى قراهم وإعادة الإعمار.
وما زاد من حال الخوف الذي يمكن ان يتطور إلى الأسوأ، انكار الثنائي لعدم وجود أي مبادرة داخلية، إقليمية او دولية تميز بين قرار وقف النار من أينما اتى وقرار التخلي عن سلاحه. وهو ما دفعهم الى اتخاذ مواقف أقل ما يقال فيها انها "همايونية"، وقد خصصت لتعميمها برامج استثنائية على شاشة "المنار" والمواقع الالكترونية و"البودكاست"، التابعة للحزب والدائرة في فلكه. وهي عملية اثارت "الشفقة" لدى أكثرية المراقبين والخبراء من مختلف الاختصاصات لمجرد تمادي قادة الثنائي ومن هم في فلكهم، في إبراز "حالات الانكار" لحجم "النكبة" التي أصابت الجنوب بمدنه وقراه من طوائفه المختلفة والبيئة الشيعية خصوصا كما في مناطق بقاعية ولبنانية أخرى.
وليس خافيا على أحد، أن إصرار هؤلاء المنظرين ضيوف هذه الشاشات والمواقع على قراءات تهدف - بما يشبه كلمة سر موحى بها بشكل منظم - إلى تسخيف ما بلغه حجم الاحتلال الاسرائيلي للمدن والقرى الجنوبية وتجاوز قواته بكامل عديدها وعتادها مجرى نهر الليطاني في اتجاه شماله. وهي عملية تهدف الى غسلالادمغة بنظرية بنيت على خلفية القول "أن مسألة الجغرافيا لا تعنيهم" وتجاهل متعمد لما تسببت به الحرب من تدمير وتجريف لا مثيل له، بقدر إعطائها الأهمية بقدرة مسلحي الحزب "الوهمية" في تكبيد قوات الاحتلال المزيد من القتلى والجرحى ومنعهم من الاستقرار في المناطق المحتلة. وهي عملية فاشلة في شكلها ومضمونها وأهدافها بعدما تجاوزت هذه النظرية "العسكرية الخنفشارية" بما فيها من "عنجهية مرفوضة"، كل البرامج التي باشرت بها "وحدة القوى البشرية" في الجيش الإسرائيلي بنشر معدات توفر للعسكريين المنتشرين في لبنان حقهم في متابعة وقائع "المونديال" بكامل الفعاليات الرياضية حتى نهايتها في النصف الأول من تموز المقبل.
وإلى هذه الملاحظات، التي تنسف مصداقية الطروحات التي يصر عليها دعاة الاحتفاظ بسلاح غير شرعي، سبق له أن استجلب الويلات للبنان وعلى الدول العربية والإسلامية المحيطة من سوريا الى العراق واليمن كما البحرين والكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة، والعقوبات التي طالت اللبنانيين الشيعة في دول انتشرت فيها الخلايا الإرهابية وتلك التي امتهنت تبييض الأموال وتهريب الكبتاغون بشراكة قادة وقوى المحور ولا سيما بين الحزب والنظام السوري السابق. وهي سيناريوهات سئمها اللبنانيون والعرب لمجرد انها باتت لغة قديمة مملة ومرفوضة.
ولا يتجاهل المراقبون أنها لغة "سفسطائية"، اعتمدت منذ سنوات، وقد تجاوزتها الوقائع المؤلمة، ومعها النكبات التي حلت بلبنان واللبنانيين وتلك التي دمرت "قطاع غزة" بعد مسلسل الحروب التي انطلقت من "طوفان الأقصى" و"إسناد غزة" وبعدهما حرب "الثأر للخامنئي" وما بينها جميعها من حروب، وما سبقها ونما على هامشها من مثيلات أطاحت في نهايتها بالنظام في سوريا، وشلًعت اليمن والعراق بعد أحداث البحرين والمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، وتسببت بآلاف عدة من الشهداء والجرحى والمعوقين عدا عن "مفقودي الأثر" ومعهم عشرات الألوف ممن لا يزالوا تحت الأنقاض في غزة ولبنان وآلاف المفقودين في سوريا الموزعين على مئات المقابر الجماعية التي بدأت معالمها بالظهور في مناطق عدة منها.
وبناء على ما تقدم، تستطرد المراجع السياسية والديبلوماسية، لتربط بين هذه الوقائع المؤلمة، وتضيف بانه لا يمكن "للثنائي الشيعي" ان يقود بيئته وجماهيره الى ما لا نهاية له، سوى تعزيز أجواء الإحباط التي بدأت تطل بقرنها من مراكز الإيواء للنازحين وتكبد باقي النازحين من منازلهم وقصور البعض منهم، كلفة التشرد في الفنادق والشوارع والخيم بكلفتها الهائلة على كل المستويات.
وما يزيد في الطين بلة، حجم الضغوط التي يتعرض لها الشيعة في العالمين الغربي والإسلامي السني الواسع الذي صنف مجموعات منهم على انها "منظمات إرهابية" تستحق الابعاد والملاحقة حيث ما ارتكبت اصغر وابسط الأخطاء عدا عن الحصار الذي يزداد
والتهديد بالعمالة بعدما تبين انه كان عليهم التثبت إن كانت "خيالات" قادتهم مرصودون من الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية والأجنبية بعدما فعلت فعلها في قادتهم ورموزهم. وكل ذلك يجري في وقت يسعى فيها "الثنائي الشيعي" الى البحث بواسطة "قنديل ديوجين" عن أنصار له يتبنون مواقفه، وهم بأكثريتهم ينتمون إلى ناد يجمع شخصيات وافرادا وجمعيات نمت على المساعدات الإيرانية وما وفر لهم الحزب من فتات ما تبقى لديه من المال الإيراني.
وختاما، لا يمكن تجاهل القول، أنها كلها ظواهر تلت ابتعاد العشاق والحلفاء من حول الحزب، فرادى وجماعات. وكل ذلك في إطار خطة عززت عزلته في الداخل بعد الخارج، وهو ما ظهر فعلا في ترجمتهم المحرفة لمواقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ومواقف أخرى من قيادات سياسية وحزبية غير عابئين ببيانات التوضيح والنفي للسردية التي يصرون على فبركتها. وكل ذلك يجري بالتزامن مع محاولة الإفادة الفاشلة مسبقا من مضمون "مذكرة إسلام آباد" التي يتوقعون منها ضمانا مستحيلا للاحتفاظ بسلاحهم، معطوفا على قرار وقف إطلاق النار فيما هي تتحدث عن تعهد إيران بوقف دعم طهران لأذرعها، وما تبقى من ذراعه القوي في لبنان في مقابل الإفراج عن بعض أرصدتها المصادرة، وفك العقوبات النفطية والتخفيف من الضوابط على برامجها النووية والصاروخية ان نجحت في ذلك. فهي قضايا لها أولوياتها التي لا ينافسها شيء آخر وتتقدم على أي برنامج لتمويل وتسليح "حزب الله" بعد فقدانها مقومات "وحدة الساحات"، فيتحول حزبا سياسيا لبنانيا ينسى معنى "الاستقواء بالسلاح غير الشرعي" الذي لا يجب ان يكون خارج أيدي القوى الشرعية أينما وجدت.






