لم تبدد الساعات الـ48 الأخيرة كثيراً من الأجواء الملبدة والمشدودة عقب واقعة الروشة، ولو أن عاصفة السجالات الناشئة عنها انحسرت إلى حدود واسعة. ذلك أن عاملين أساسيين ظلا يرخيان بظلال الشكوك والتساؤلات القلقة حول تداعيات تلك الواقعة، الأول يتصل بما لم يعد ممكناً التخفي عليه من اهتزازات سلبية بين أهل الحكم والحكومة والسلطتين السياسية والأمنية، وذلك للمرة الأولى منذ بداية العهد وتشكيل الحكومة. والثاني يتصل بتصاعد المخاوف الجدية من انزلاقات ميدانية جديدة تقدم عليها إسرائيل، بعدما شكلت “إنذارات” الموفد الأميركي توم برّاك رسائل مباشرة للبنان، يتعين عدم تجاهلها أو التقليل من خطورتها. وما لا يمكن تجاهله أيضاً في هذا السياق، أن أسبوع إحياء ذكرى اغتيال الأمينين العامين الراحلين لـ”حزب الله” السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين بما انتهى عليه، إن في تظاهرة الروشة أو في المواقف التي أطلقها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بتصعيد تهديداته السافرة للحكومة “بمواجهة كربلائية” لقرار حصرية السلاح بيد الدولة، زاد منسوب تعريض لبنان لأخطار عمليات إسرائيلية مفتوحة على الزمن والمكان والحجم. ومع كل هذا المناخ المأزوم، فإن الأوساط المعنية رصدت مرور اليومين الأخيرين مترقبة حركة الاتصالات واللقاءات بين المسؤولين عقب عودة رئيس الجمهورية جوزف عون من نيويورك يوم السبت الماضي. وإذ لم تسجل أي تحركات سياسية مماثلة بعد، فإن الساعات المقبلة ستبلور طبيعة المشاورات المقبلة، كما أن جانباً من الجلسة التشريعية التي يعقدها اليوم مجلس النواب ستشهد مقاربات سريعة للتطورات الأخيرة من خلال فترة الأوراق الواردة ومداخلات النواب. وقد سجل أمس في هذا السياق، استقبال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في دارته في قريطم، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله.
ولعل ما تقتضي الإشارة إليه، أنه في حين كانت إيران تتعمد إظهار رعايتها ونفوذها المستمرين على “حزب الله” من خلال حضور الأمين العام للمجلس الاعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني احتفال الذكرى السنوية لاغتيال نصرالله وصفي الدين، جدّد المبعوث الأميركي توم برّاك مطالبة لبنان بنزع سلاح “حزب الله”، وقال: “إذا أراد اللبنانيون دولة واحدة وجيشاً واحداً، فعليهم تنفيذ هذه الخطوة”. وأضاف أن “الولايات المتحدة ليست ضامناً في اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وهي قناة تواصل لا أكثر”، موضحاً أن “إسرائيل ترى أن حزب الله يعيد بناء قدراته”. وشدّد على أن الرؤية الأميركية تقضي بأن لبنان إذا أراد جيشاً موحداً، فعليه نزع سلاح الجهات والمجموعات التي لا تنصاع لما هو مطلوب، وذكر بهذا الصدد “حزب الله” والمجموعات الفلسطينية.
وكان الشيخ نعيم قاسم هدّد في إحياء ذكرى نصرالله وصفي الدين “بمواجهة كربلائية” لمنع نزع سلاحه، وتوجّه إلى الحكومة قائلاً: “ارتكبتم خطيئة عندما قررتم نزع سلاح المقاومة، فصححوا هذه الخطيئة “. واعتبر أن الخطر الإسرائيلي الأميركي على لبنان خطر وجودي، ونزع السلاح يعني نزع القوة تلبية لمطلب إسرائيل ولن نسمح بنزع السلاح وسنواجه بوقفة كربلائية”.
وسط هذه الأجواء المأزومة، شكّلت الجولة الثانية الواسعة التي قام بها أمس البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى الجنوب بدءاً برعية صور، اختراقاً حقيقياً للأجواء المشدودة، إن من خلال الدلالات الإيجابية التي أشاعتها جولته على بلدات مسيحية وشيعية ومختلطة من سائر الطوائف، وإن عبر العظة والكلمات التي ألقاها متضمنة مواقف متقدمة في التعاطف مع أبناء الجنوب وإظهار أولوية مكانة الجنوب وطنياً والتشديد على دور الجيش حصانة وحيدة للبنان. جولة البطريرك الراعي شملت أمس “القليعة الصّامدة” و”البلدات العزيزة” الجرمق والعيشيّة وإبل السقي وكوكبا وجديدة مرجعيون، والنبطية والكفور، وكفروه، والحجة والعدوسية. وفي عظته من القليعة، قال البطريرك: “أحيّيكم جميعاً، أنتم الآتون من هذه البلدات وسواها من الجنوب العزيز، الأرض المباركة، أرض الكرامة والحريّة. وقد عانيتم من الاعتداءات والحروب والتّعديات الإسرائيليّة على أرضكم وبيوتكم وأرزاقكم. أحيّيكم لأنّكم صمدتم وحافظتم على جذوركم، وأثبتّم أنَّ الجنوب ليس أرض نزاع، بل أرض خصب وبركة، أرض عيش مشترك، أرض وطنيّة صادقة، وأرض سلام”.
المصدر: النهار






