11:52 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

استراتيجية الخنق قبل الحسم... لماذا لا تستعجل الولايات المتحدة نهاية الحروب؟

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

عند قراءة معظم الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، يبرز نمط يكاد يتكرر في كل مرة: فهي نادراً ما تتجه إلى الحسم السريع إذا كان بإمكانها أولاً إنهاك خصمها وعزله وإضعافه. هذه المقاربة لا تقوم فقط على التفوق العسكري، بل على فلسفة استراتيجية تعتبر أن أفضل معركة هي تلك التي تُحسم بعد أن يكون الخصم قد فقد معظم قدرته على القتال.

تبدأ العملية عادة بمرحلة العزل والخنق. تُستهدف أنظمة الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، والجسور، وخطوط الإمداد، ومستودعات الذخيرة والوقود، بحيث يصبح الجيش المقابل مع مرور الوقت أقل قدرة على الحركة والتنسيق. بعدها تأتي مرحلة الاستنزاف عبر ضربات جوية وصاروخية متواصلة، يترافق معها ضغط اقتصادي وإعلامي وسياسي، بهدف إنهاك الخصم وإضعاف إرادته قبل أي معركة فاصلة.

في حرب الخليج عام 1991، بدأت الحملة الجوية في 17 كانون الثاني واستمرت أكثر من شهر قبل انطلاق الهجوم البري في 24 شباط، وانتهت العمليات الرئيسية بعد نحو مئة ساعة. كانت الفكرة واضحة: تدمير القسم الأكبر من القدرات العراقية قبل زج القوات البرية.

وفي غزو العراق عام 2003، دخلت القوات الأميركية من الجنوب بسرعة، ووصلت إلى مشارف بغداد خلال أيام، لكنها سبقت ذلك بحملة جوية مكثفة استهدفت مراكز القيادة والقواعد العسكرية. وسقطت بغداد في 9 نيسان 2003 بعد أن كانت بنية الجيش العراقي قد تعرضت لضربات كبيرة، ما خفف من حجم المقاومة النظامية أثناء دخول العاصمة، وإن كان ذلك قد أعقبه تمرد طويل استمر سنوات.

أما في ليبيا عام 2011، فلم ترسل الولايات المتحدة قوات برية لإسقاط النظام، بل اعتمدت مع حلف شمال الأطلسي على الضربات الجوية التي بدأت في آذار 2011، مع دعم القوى المحلية، حتى سقط نظام معمر القذافي في تشرين الأول 2011. مرة أخرى، كان الهدف إضعاف الخصم تدريجياً قبل انهياره.

وفي المواجهات مع تنظيم داعش بين 2014 و2019، لم يكن التقدم البري هو العنصر الأول، بل سبقته سنوات من الغارات الجوية وتدمير مراكز القيادة والإمداد، إلى أن فقد التنظيم معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها.

أما في أي مواجهة مع إيران، فإن الحسابات تصبح أكثر تعقيداً. فإيران ليست العراق ولا ليبيا؛ فهي دولة كبيرة تمتلك قدرات صاروخية وشبكة حلفاء ونفوذاً إقليمياً. لذلك، فإن أي استراتيجية أميركية، إذا اتجهت نحو التصعيد، ستسعى أولاً إلى تقليص قدرة إيران على الرد، عبر الضغط الاقتصادي والعزلة السياسية والضربات الدقيقة، قبل التفكير بأي مواجهة أوسع، وذلك لتقليل المخاطر على القوات الأميركية وحلفائها.

لقد أثبت التاريخ أن العقيدة العسكرية الأميركية تقوم غالباً على مبدأ: إضعاف الخصم إلى الحد الأقصى قبل معركة الحسم. ومن وجهة نظر المخطط العسكري، فإن كل يوم إضافي من الاستنزاف قد يوفر خسائر بشرية في صفوف قواته لاحقاً، حتى لو أدى ذلك إلى إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة الدولة التي تدور الحرب على أرضها.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل الهدف هو تحقيق نصر عسكري بأقل خسائر، أم أن إطالة أمد الحرب تتحول أحياناً إلى وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة؟ إنه سؤال سيظل مطروحاً، لكن المؤكد أن نمط الخنق قبل الحسم أصبح سمة بارزة في كثير من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o