جوانا فرحات
المركزية – تطور إسرائيلي جديد برز في جنوب لبنان مع الكلام عن خطة إسرائيلية تتضمن اقتراح تراجع قواتها مسافة كيلومترين أو أربعة واستحداث خط جديد تحت مسمى "الخط الرمادي". لكن المسألة لا تكمن في المسافة التي قد تتراجع إليها القوات الإسرائيلية، بل في طبيعة المنطقة التي تريد الاحتفاظ بها، وفي ما إذا كان هذا التراجع سيقود فعلاً إلى خروج كامل من الأراضي اللبنانية أم إلى إعادة انتشار تحت مسمّى جديد.
مصادر سياسية مطلعة توضح لـ"المركزية" أن إسرائيل تنتقل من نموذج الانتشار العسكري الواسع إلى نموذج أكثر ضيقاً وأقل كلفة، لكن مع الاحتفاظ بالقدرة على المراقبة والاستهداف والتدخل، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالتراجع الجغرافي لا يعني بالضرورة أن القوات الإسرائيلية تتراجع استراتيجياً. وإذا كان التراجع لمسافة كيلومترين أو ثلاثة أو أربعة فهذا يعني فقط نقل القوات من مواقع متقدمة إلى مواقع خلفية، مع الاحتفاظ بالمرتفعات الاستراتيجية، والاستطلاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والقدرة على توجيه ضربات داخل العمق اللبناني. وهذا يعني أن إسرائيل تعيد هندسة وجودها العسكري في الجنوب تحت عنوان "الخط الرمادي" الذي أعلنت عنه إسرائيل في أعقاب السيطرة الإسرائيلية على مرتفع علي الطاهر وكأنها تريد أن تثبت أنها حققت أهدافاً ميدانية في المواقع التي تعتبرها ذات قيمة استراتيجية، وأنها لم تعد بحاجة إلى إبقاء قوة كبيرة منتشرة على مساحة واسعة. وهذا ما يجعل التراجع المحتمل تراجعاً في عمق الانتشار وليس بالضرورة تراجعاً في القدرة العسكرية على التدخل.
السفير السابق هشام حمدان يقول لـ"المركزية" أن "ما يحصل في الجنوب بعد حسم المعركة في تلة علي الطاهر يندرج في اطار الإعداد لاجتماع روما وذلك نتيجة ضغوط أميركية واضحة. فالولايات المتحدة تدفع الآن إلى معاودة اجتماعات روما ومتابعة المسعى لتعزيز الحوار السياسي اللبناني الإسرائيلي.
بالتوازي أضحت إسرائيل في مركز يسمح لها بإخراج جنودها من مناطق جغرافية وتسليمها إلى الجيش اللبناني من دون الشعور بخطر حقيقي عليها، إذ أن السيطرة على التلة يمنع امكانية اختراق حزب الله للأراضي الاسرائيلية".
ويختم " إسرائيل بحاجة لإظهار الوجه الدبلوماسي المرن والتخفيف من الضغوط على جنودها التي تؤثر بدورها على المسار الانتخابي في إسرائيل. وكما ان نتنياهو بحاجة لنصر عسكري حقق بعضه في تلة علي الطاهر ويعد لاسقاط تلة اخرى قريبا، فهو بحاجة لنصر دبلوماسي وابراز الوجه المرن الذي يبين انه قادر على ممارسة الردع والحوار في ان معا".
إذا دخلت إسرائيل إلى التفاوض بعدما تكون قد خفّضت انتشارها فعلاً، فهذا يؤشر الى أنها تحاول تقديم ذلك على أنه تنازل إسرائيلي مهم، لكن مقابل أثمان سياسية وأمنية من الجانب اللبناني وفي مقدمها ضمانات لبنانية بشأن الأمن على الحدود، وانتشار الجيش اللبناني ومنع عودة حزب الله إلى المنطقة.
لبنانيا تبرز المعضلة في كيفية التعامل مع هذا الطرح. إذ أن قبول الانسحاب الإسرائيلي من المواقع الأبعد لا يعني بالضرورة الرضوخ لبقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية على عمق كيلومترين أو أربعة كيلومترات. وإذا تحوّل "الخط الرمادي" من إجراء عسكري موقت إلى واقع ثابت، فقد يصبح مع مرور الوقت أمراً واقعاً جديداً يحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية أكثر تعقيداً. والأخطر بالنسبة إلى لبنان أن يتحول "الخط الرمادي" إلى ورقة تفاوضية إسرائيلية تساوم من خلالها الحكومة الإسرائيلية على مبدأ التراجع من مناطق واسعة، شرط الحصول على ترتيبات أمنية معينة، فيما يرى لبنان أن المطلوب ليس إعادة انتشار إسرائيلي داخل أرضه، إنما انسحاب كامل منها وتسليم المناطق التي تخليها إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني.
ترجح المصادر أن تكون المفاوضات المقبلة شديدة الحساسية، إذ أن الخلاف لن يكون فقط على "كم كيلومتر" ستتراجع إسرائيل، بل إلى أين ستتراجع، ومن يضمن أن يكون هذا التراجع مرحلة على طريق الانسحاب الكامل، لا صيغة جديدة لحزام أمني دائم، خصوصا أن النقاش على إعادة الإنتشار يأتي في وقت تستمر فيه عمليات القصف والتدمير في الجنوب، وبالتالي يصعب فصل التحرك العسكري عن المسار السياسي. فالميدان هنا لا يسبق التفاوض فقط، بل يحاول كل طرف من خلاله تحسين موقعه على طاولة التفاوض.
المعطيات المتوافرة تشير وفق المصادر الى إن المفاوضات المقبلة قد لا تكون على "الخط الرمادي" بحد ذاته، بل على مصيره. فإذا كان مؤقتا ومرتبطاً بمرحلة انتقالية تنتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، فقد يشكل مدخلاً إلى تسوية أوسع وتهدئة مستدامة. أما إذا أرادت إسرائيل تحويله إلى منطقة أمنية دائمة داخل لبنان، فإن المفاوضات ستدخل في مواجهة أصعب، لأن الأمر لن يعود متعلقاً فقط بوقف الحرب، بل بإعادة رسم واقع أمني جديد على الأرض اللبنانية.






