جوانا فرحات
المركزية – يبدو أن الرئيس نبيه بري اختار كما العادة الطرق الأقرب إلى الديبلوماسية بدل لغة الشارع عبر تسريب معلومات عن إمكانية نقض وتطيير الإتفاق الإطاري من داخل مجلس النواب.
سبق هذه التسريبة تحذير أطلقه بري بعد ساعات على الإعلان عن توقيع لبنان على الإتفاق الإطاري في واشنطن وقال "يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة!"، مستشهدا بالقول المأثور: "كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرًا فيُركب ولا ضرعًا فيُحلب"، في دعوة إلى عدم الانجرار وراء الانقسامات والتوترات.
حتى اللحظة لا جدل حول قانونية ودستورية توقيع الإتفاق الإطاري في واشنطن، باستثناء ما يسعى إليه بري لتفادي الفتنة في الشارع. وقد تكون مجرد محاولة وتنفيسة لاحتقان بيئة حزب الله ونوابه .
لكن ما كُتب قد كتب" ولن تمحوه كل الخطابات والتهديدات سواء تلك التي تطلق على المنابر أو في الشارع بواسطة الهتافات التحريضية من بيئة حزب الله. والثابت أن الرئيس بري يدرك ذلك، كما كل المعترضين والممانعين والساعين إلى ضرب الإتفاق الإطاري. لكن ثمة وقائع تشي بما هو نقيضه. فرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ما كانا ليعطيا الضوء الأخضر للتوقيع على الإتفاق الإطاري إلا بعد نيل بركة ورضى بري لكن في الظل. أما في الظاهر فلا كلام إنما دعوات إلى التنبه من الفتنة التي يضمرها الاتفاق الإطاري يوازيها تضامن عربي ودولي وحتى إسرائيلي مع لبنان ربما حفاظاً على ماء الوجه بحسب المثل اللبناني. وعليه، بدأ البحث عن حلول لتغيير المسار أو تعديله عبر نقض الإتفاق من داخل مجلس النواب. كيف؟
"إذا استقر الرأي على أن ما جرى يتجاوز الفقرة (ي) من مقدمة الدستور، وإذا حُسم أن اتفاق الإطار أرسى واقعاً يتجاوز، بمفاعيله، حق رئيس الجمهورية في التفاوض بموجب المادة 52 من الدستور، وحيث إن آثار الإتفاق تشكل تأثيراً بالغاً ليس على الحياة السياسية فقط، بل على فكرة الوحدة الوطنية، وأرخت، نزولاً على المشهد العام وأثرت على اليوميات وتكاد تأخذ البلاد الى أزمة أهلية، فإن بحث الاتفاق ومناقشته وحسم مصيره يصبح من أولويات مجلس النواب، الذي يجدر به أن يتولى مهامه، "قبل أن يفلت العجل على إمه"، كما ورد اليوم في إحدى وسائل الإعلام ووفقاً لرأي خبير دستوري.
هل يفعلها بري ويُسط الإتفاق الإطاري من تحت قبة البرلمان؟ "الإجابة تبدأ بتحديد الطبيعة القانونية للاتفاق.فالكلام عن نقض الإتفاق لمواد الدستور غير صحيح" يقول القاضي شكري صادر مستنداً إلى طبيعة الإتفاق الإداري بحيث "لا يزال في إطار المحادثات الأولية. وعندما نصل إلى ما يسمى باتفاقية تُبرم آنذاك من قبل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وإذا ما احتاجت بحسب المواد الدستورية إلى عرضها على المجلس النيابي ترسل إليه. لكن حتى الآن لا نزال في إطار مذكرة تفاهم ولم نصل إلى اتفاقية بعد".
ثمة من يقول أن بري في محاولة الإلتفاف على الإتفاق الإطاري من خلال الدستور إنما يريد أن يقطع الطريق على توقيع اتفاقية بين لبنان وإسرائيل لاحقا."هذا الأمر غير معنيين به" يتابع صادر نص المادة 52 وفيها " تمنح لرئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها، على أن تُطلع الحكومة مجلس النواب عليها كلما سمحت مصلحة البلاد بذلك، وأن بعض المعاهدات لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس النواب، ولا سيما تلك المتعلقة بمالية الدولة أو الأحوال الشخصية أو التي لا يجوز فسخها سنة فسنة". لكن بعد تحولها إلى اتفاقية يمكن آنذاك عرضها على مجلس النواب إذا كانت من الإتفاقيات التي يجب أن تمر على مجلس النواب وبحسب الحالات المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور".ويختم صادر جازما"لا يحق للرئيس نبيه بري نقض الإتفاق الإطاري في مجلس النواب ولا يستطيع تعطيلها إلا في الشارع".
هل ينتقل الاعتراض إلى الشارع؟
تقول مصادر معارضة إذا اعتبر بري، أو القوى السياسية المتحالفة معه، أن الاتفاق يمس ثوابت وطنية أو يتجاوز الأصول الدستورية، فإن الخيارات المتاحة لا تقتصر على الاعتراض داخل المؤسسات الدستورية، بل قد تمتد إلى استخدام أدوات الضغط السياسي والشعبي. غير أن الانتقال إلى الشارع يبقى قرارًا سياسيًا يرتبط بحسابات داخلية وإقليمية معقدة، ولا يمكن اعتباره نتيجة حتمية.
وفي حال اختار التصعيد، فمن المرجح أن يبدأ باستخدام الوسائل الدستورية والسياسية، عبر الدعوة إلى نقاش برلماني، أو المطالبة بتفسير دستوري لصلاحيات السلطة التنفيذية، أو حشد موقف نيابي معارض، قبل اللجوء إلى أي تحرك شعبي.
كما أن أي دعوة إلى تحركات في الشارع ستكون مرتبطة بعوامل عديدة، منها طبيعة الاتفاق، ومدى الإجماع أو الانقسام حوله، وموقف حلفائه، والظروف الأمنية والاقتصادية في البلاد. لذلك، يبقى الحديث عن تحريك الشارع في هذه المرحلة ضمن دائرة الاحتمالات السياسية، لا الوقائع المؤكدة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نبيه بري سيحرك الشارع، بل ما إذا كانت المعارضة السياسية للاتفاق ستبقى محصورة داخل المؤسسات الدستورية، أم ستتطور إلى مواجهة سياسية أوسع إذا تعذر التوصل إلى توافق داخلي حول آليات إقرار الاتفاق ومضمونه.






