المركزية - كتب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيمو رياض عبجي، في مقال نُشر باللغة الفرنسية في صحيفة «"لوريان لوجور":
نحو "جماعة لبنانية -سورية للفحم والصلب"
في الثامن عشر من نيسان 1951، أُنشئت بموجب معاهدة باريس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (CECA)، بمبادرة من جان مونيه وروبير شومان. انبثقت هذه المبادرة، التي أفضت اليوم إلى قيام الاتحاد الأوروبي، عن إرادة الحدّ من مخاطر الحرب في أوروبا عبر وضع الجزء الأكبر من إنتاج الفولاذ والفحم الأوروبيين تحت سلطة فوق-وطنية واحدة.
سرعان ما تجاوز الواقع القصد الأول، إذ ما لبث إنتاج الفحم والفولاذ أن غدا عبئاً أكثر منه ميزة، فيما أخذت الهياكل تتوسّع وتترسّخ تدريجاً كلما تعلّمت الدول الأوروبية المعنية أن تنمو معاً. وهكذا تبيّن أن هذه الجماعة كانت البذرة التي أنبتت أوروبا أكثر سلاماً وازدهاراً ومنعة.
فهل يمكن أن تشكّل هذه التجربة درساً يُستفاد منه في لبنان؟
عرف لبنان وسوريا، عبر تاريخهما، عدداً من النزاعات والخلافات وسوء الفهم. وعانى البلدان، ولا يزالان يعانيان، من مآسٍ وشدائد وصعوبات متشابهة. من دون أن نطمح إلى تكامل بين البلدين على غرار ما هو قائم في أوروبا، نقترح مقاربة حذرة تتناول ما يشكّل، في لبنان وسوريا على حدّ سواء، مصدر قلق كبير. فالكهرباء والمياه، في سوريا كما في لبنان، يشكلان موردان حيويّان غالباً ما يكونان غير كافيين وسيئي الإدارة. ويمكن أن يُضاف إليهما النفط والغاز، المتوافران على الأرجح بوفرة في البلدين.
والفكرة هي إنشاء سلطة لبنانية-سورية مشتركة، يُعهد إليها بالإشراف على المؤسسات، في لبنان وسوريا، التي تُنتج هذين الموردين أو تديرهما أو تسوّقهما. ويملك كل من الشريكين مزايا تنافسية تجعل من هذا التعاون مفيداً للغاية للبلدين. فلبنان يتمتّع بأهمّ القدرات المائية في المنطقة بأسرها، وبتضاريس تتيح استثماراً ممتازاً لها، فيما تحظى سوريا بإمكانات واسعة لإنتاج الطاقة من مصادر متجدّدة أو من موارد أحفورية، إضافة إلى مساحة شاسعة وبنية تحتية جيّدة. ويملك البلدان معاً خبرة ريادية كبيرة يمكن تعبئتها.
ومن شأن هذه الشراكة أن تعزّز حوكمة أكثر شفافية، وإدارة أكثر فعالية، وأن تشجّع على تمويلات خارجية، وأن تهيّئ أرضية أكثر ملاءمة للاستثمارات في هذين القطاعين. وإلى جانب الفوائد المباشرة، سيُظهر لبنان وسوريا معاً إرادتهما في مؤازرة بعضهما البعض في مسار تنميتهما، وهو ما من شأنه، بطريقة ما، أن يعزّز أمن كل منهما. علاوة على ذلك، يمكن لهذا الانفتاح الأول أن يكون مقدّمة لتعاونات أخرى بين البلدين، وكابحاً للشكوك التي قد تُثار حول احتمال التدخّل.
ومع الكفاءات والخبرة التي يمكن أن تكتسبها هذه المنظومة القائمة حول المياه والكهرباء، سيصبح بالإمكان تقديم مجموعة واسعة من الخدمات في الخليج وأفريقيا وآسيا الوسطى وأميركا الجنوبية. وأخيراً، سيكون في ذلك شهادة على الثقة وعلى الفرص المتاحة في هذين البلدين، على الرغم من الحروب الدامية والأزمات المدمّرة التي عرفاها. والأهم من ذلك كله، أن هذا سيُثبت أن لبنان وسوريا قادران على تجاوز المآسي التي عاشاها، وعلى تحويل الجوار المشوب بالريبة إلى شراكة يتحمّلان مسؤوليتها.
لا يتعلّق الأمر هنا بمحاكاة أوروبا، بل باكتشاف الجرأة عينها التي شهدت ولادتها.






