9:33 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

مِن رفع الحظر الجوي إلى استعادة الثقة الاقتصادية: ماذا يمكن أن يربح لبنان من فتح الأجواء الأميركية؟

كتب المحامي ميشال فلاّح:

قد تتجاوز القيمة الاقتصادية لرفع الحظر الأميركي عن الرحلات الجوية المباشرة مع لبنان عائدات النقل والسياحة، لتطال التجارة والاستثمار والتحويلات والمالية العامة. فالقرار يتيح إعادة وصل لبنان بسوق أميركية واسعة، ويختبر قدرته على تحويل الانفتاح الخارجي إلى ثقة اقتصادية مستدامة.
في 30 أيلول 2026، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب القرار الرئاسي رقم 2026-25، ملغياً أربعة قرارات قيّدت الطيران بين البلدين، يعود أقدمها إلى عام 1985. ونُشر القرار في السجل الفيدرالي في 5 تشرين الأول. لكن رفع الحظر لا يعني بدء الرحلات فوراً، إذ تبقى الموافقات الأمنية والتنظيمية والترتيبات التشغيلية ضرورية، ولم يكن موعد التشغيل محدداً حتى 8 تشرين الأول 2026. وقد طُرحت أواخر 2027 أو سنة 2028 إطاراً زمنياً محتملاً لخط بيروت–نيويورك، رهن استكمال المتطلبات.

أولاً: السياحة... أثر يتجاوز تذاكر السفر
تخفّض الرحلات المباشرة الوقت وتكلفة التنقل عبر المطارات الوسيطة، فتزيد جاذبية لبنان لدى المغتربين والأميركيين، وتنعكس على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات الثقافية. وتكتسب هذه الفرصة أهمية في اقتصاد هشّ: فقد قدّر البنك الدولي نمو لبنان الحقيقي بنسبة 4.2% في 2025، وتوقّع انكماشه بنسبة 6.4% في 2026، وفق تقرير آب 2026.
غير أن الأثر الصافي لا يُقاس بجميع ركاب الخط الجديد. فمن كان سيزور لبنان عبر محطة وسيطة لا يمثل زائراً إضافياً. المكسب الفعلي ينشأ من زيارات جديدة أو إقامة أطول أو إنفاق أكبر، مع احتساب حصة السلع والخدمات المحلية من هذا الإنفاق.

ثانياً: المغتربون... من التحويلات إلى الاستثمار المنتج
يملك اللبنانيون في الولايات المتحدة شبكات مهنية ومالية قادرة على ربط الأسواق. ويسهّل الخط المباشر زياراتهم ومتابعة أعمالهم وإقامة شراكات جديدة. لكن التحويلات العائلية المخصصة للاستهلاك تختلف عن الإنفاق السياحي، وكلاهما يختلف عن الاستثمار المباشر الذي ينشئ مشاريع وفرص عمل.
ويمكن لتيسير السفر أن يشجع مشاريع في السياحة والصناعة والعقار والتكنولوجيا، لكنه لا يعوّض حماية الملكية واستقرار التشريعات وفعالية القضاء وإمكان تحويل الأرباح. لذلك يبقى الإصلاح المصرفي والمؤسسي شرطاً لتحويل اهتمام المغتربين إلى استثمارات طويلة الأجل.

ثالثاً: التجارة والصادرات... منفذ إضافي للأسواق
تتيح الرحلات الطويلة المدى شحن بضائع في المساحات المخصصة داخل طائرات الركاب(Belly Cargo)، ما قد يخدم الصناعات الغذائية والحرف والأزياء والمجوهرات والسلع المرتفعة القيمة قياساً إلى وزنها. كما يسهّل الربط المباشر حضور المعارض والتفاوض مع المشترين الأميركيين.
لكن جدوى التصدير تتوقف على الطلب والكلفة والقدرة على احترام المعايير الصحية والجمركية الأميركية. ورفع الحظر الجوي لا يلغي الرسوم الجمركية ولا ينشئ امتيازات تجارية تلقائية.

رابعاً: الاستثمار الأجنبي... إشارة لا ضمانة
قد يرسل إلغاء قيود استمرت أربعة عقود إشارة إيجابية إلى المستثمرين وشركات التأمين بشأن تطور تقييم المخاطر المرتبطة بالطيران. وقد تستفيد التكنولوجيا والتعليم والصحة والخدمات المهنية من تسهيل التواصل بين الفرق العاملة في البلدين.
لكن القرار ليس تصنيفاً ائتمانياً جديداً للبنان ولا ضمانة أميركية للاستثمار، فالمستثمر يحتاج أيضاً إلى استقرار سياسي وقواعد قانونية واضحة وإدارة فعالة وبنية تحتية موثوقة وآليات لتسوية النزاعات.

خامساً: المطار والخزينة... إيرادات تقابلها تكاليف
قد ترتفع إيرادات المطار من رسوم الهبوط والخدمات الأرضية والشحن والأنشطة التجارية، وتستفيد الخزينة بصورة غير مباشرة من الضرائب على النشاط الإضافي. وتملك شركة طيران الشرق الأوسط فرصة تجارية محتملة، شريطة إثبات حجم الطلب وقدرة الخط على الاستمرار.
في المقابل، قد تفرض الرحلات الطويلة استثمارات في الأمن والتفتيش والخدمات، فيما تؤثر المنافسة مع الناقلات الأخرى في الأسعار والهوامش. وعليه، يجب تقييم صافي المنفعة لا الإيرادات الإجمالية وحدها.

سادساً: كم يمكن أن يربح لبنان؟ 
إذا استقطب الخط، افتراضياً، عشرين ألف زائر إضافي سنوياً، وأنفق كل منهم 1,500 دولار داخل لبنان، بلغ الإنفاق السياحي المباشر 30 مليون دولار. وهذا مثال توضيحي لا توقع رسمي، ولا يجوز مساواة المبلغ بزيادة مماثلة في الناتج المحلي، لأن جزءاً من الإنفاق يذهب إلى مستوردات ومدخلات خارجية.
ويستلزم التقدير الدقيق بيانات عن المسافرين الجدد، ومتوسط الإقامة والإنفاق، والقيمة المضافة المحلية، والضرائب، وتكاليف التشغيل والتجهيز، دون احتساب إيرادات التذاكر الأجنبية مكاسب صافية للبنان.

سابعاً: الأولويات التنفيذية
تبدأ الاستفادة باستكمال معايير سلامة الطيران والأمن بالتنسيق مع السلطات الأميركية، وتحديث الترتيبات القانونية، وإعداد دراسة جدوى تحدد المدن والخطوط الأكثر طلباً وحركة الشحن المتوقعة. وتحتاج الدولة أيضاً إلى برنامج موجّه للانتشار اللبناني يربط الرحلات بالاستثمار والتصدير والسياحة، بالتوازي مع إصلاح مصرفي وإداري يعيد الثقة.

ثامناً: من الثقة بالمطار إلى الثقة بالدولة
تضمّن القرار الأميركي تقديراً بأن القيود السابقة لم تعد ضرورية لمواجهة مخاطر الاستيلاء غير المشروع على الطائرات المتجهة إلى لبنان أو المغادرة منه. لكنه لا يغني عن التحقق المستمر من متطلبات الأمن والسلامة. فالمطار بنية استراتيجية، وموثوقيته جزء من صورة الاقتصاد اللبناني وقدرته على جذب الأعمال.

الخلاصة: التعافي يبدأ باستعادة الثقة بالغد
ليس رفع الحظر علاجاً للأزمة المالية أو ضمانة لتدفق الاستثمارات، لكنه يزيل عائقاً تاريخياً أمام التواصل مع الاقتصاد الأميركي، ويتيح فرصاً في السياحة والتجارة والخدمات والنقل. ولن تُقاس قيمته بعدد الطائرات الهابطة في بيروت، بل بما تولّده من نشاط اقتصادي جديد ومستدام.
فالانهيار لا يُقاس فقط بما تخسره الدول من أموال، بل أيضاً بما تفقده من ثقة بالغد. والتعافي يبدأ عندما يجد المستثمر والمغترب والمواطن مؤسساتٍ تتيح لهم أن يروا في لبنان مستقبلاً يستحق الاستثمار فيه.

المراجع الأساسية:
السجل الفيدرالي الأميركي، القرار 2026-25 (5 تشرين الأول 2026)، البنك الدولي، المرصد الاقتصادي للبنان (آب 2026)، L’Orient Today (8 تشرين الأول 2026)، رويترز (21 تموز 2026).
 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o