4:50 PMClock
متفرقات
  • Plus
  • Minus

من بيت شباب إلى باريس، كريستوفر غصوب يصوغ إرثاً حيّاً

في الثانية والعشرين من عمره، فاز كريستوفر غصوب بجائزة الأثر (Impact Award)، بدعم من Arab Bank Switzerland، ضمن الدورة الرابعة من جائزة التصميم في معهد العالم العربي في باريس. ويشكّل هذا الفوز اعترافاً دولياً بمشروع «فخار»، الذي يهدف إلى حماية إرث صناعة الفخار في بيت شباب وإعادة إحيائه ونقله إلى جيل جديد.

كانت بيت شباب، وهي بلدة لبنانية عُرفت تاريخياً بصناعة الفخار، تضمّ في الماضي أكثر من 200 خزّاف يعملون على تشكيل الطين وصناعة الجرار الكبيرة المخصّصة لحفظ النبيذ وزيت الزيتون والمياه والمواد الغذائية. أمّا اليوم، فقد كادت هذه الحرفة أن تختفي بالكامل. أُغلقت المحترفات، ورحل الحرفيون، ومعهم بدأ يضيع جزء من معرفة تناقلتها الأجيال. في سن الثانية والعشرين، يُعدّ كريستوفر غصوب آخر خزّاف ناشط في البلدة. وهو ينتمي إلى عائلة ارتبط تاريخها بالفخار، ونشأ محاطاً بقطع صنعها أفراد من أجيال سبقته. ومع الوقت، تحوّل هذا الإرث العائلي بالنسبة إليه إلى مسؤولية: ألّا تنتهي هذه الحكاية مع جيله.

من هذه الرغبة وُلد «فخار» (Foukhar)، وهو استوديو لا يسعى إلى إعادة إنتاج الماضي كما كان، بل إلى منحه استمرارية جديدة. يعمل غصوب بالطين المحروق مستنداً إلى تقنيات وأشكال متجذّرة في تاريخ بيت شباب، ويعيد النظر فيها من خلال رؤيته كمصمّم ومعماري. وتصبح الجرار التقليدية نقطة انطلاق لبحث أوسع في المادة والنِّسب والملمس والاستخدام. من القطع المعاصرة إلى الأثاث والعمارة والتجهيزات الفنية، ينتقل الفخار إلى وظائف ومساحات جديدة. فبالنسبة إلى غصوب، حماية التراث لا تعني تجميده، بل السماح له بالتطوّر من دون أن يفقد هويته.

وتشكّل هذه الرؤية جوهر مشروع «Foukhar — Beit Chabeb: Reactivating a Village Craft Economy» الذي قُدّم إلى جائزة التصميم في معهد العالم العربي. وفي أيلول 2026 في باريس، فاز كريستوفر غصوب بـ جائزة الأثر، بدعم من Arab Bank Switzerland، ضمن الدورة الرابعة من الجائزة. وقد منح هذا الفوز بُعداً دولياً لمبادرة انطلقت من واقع محلي جداً: بلدة، وعائلة، وحرفة مهدّدة بالاندثار. وبالنسبة إلى غصوب، لا تمثّل الجائزة اعترافاً بعمله الشخصي فحسب، بل هي أيضاً تكريم لبيت شباب وللحرفيين الذين صنعوا تاريخها، ودليل على أن الحرف التقليدية قادرة على أن تحتل مكاناً حقيقياً في عالم التصميم المعاصر. Pasted text.txt

لكن طموح «فخار» يتجاوز نجاح محترف واحد. فالمشروع يتطلّع إلى إعادة بناء منظومة حرفية متكاملة في بيت شباب: تدريب جيل جديد من الخزّافين، نقل المهارات والمعرفة، تشجيع التعاون بين الحرفيين والمصممين والمعماريين، إعادة استخدام المواد المحلية، وجعل صناعة الفخار مهنة قابلة للاستمرار من جديد. فالقطع يمكن أن تبقى محفوظة لمئات السنين، لكن المعرفة والمهارة قد تختفيان خلال جيل واحد. تحضير الطين، وتوسيطه على الدولاب، وفهم سماكته، والتحكّم في تجفيفه وحرقه، كلها معارف لا يمكن أن تستمر فعلياً إلا عندما تنتقل من يد إلى أخرى.

لذلك، لا تمثّل جائزة الأثر في معهد العالم العربي نهاية رحلة «فخار»، بل بداية مرحلة جديدة. يمنح هذا الاعتراف المشروع منصة أوسع لبناء شراكات جديدة، ونقل المعرفة، وإعادة تسليط الضوء على بيت شباب كجزء من مشهد التصميم والحِرف المعاصرة. وبعد عشرين عاماً، يأمل غصوب ألّا يعود يُقدَّم بصفته «آخر خزّاف في بيت شباب»، بل أن يرى محترفات جديدة وجيلاً جديداً يعمل بالطين من جديد في البلدة. فالهدف ليس إعادة بناء الماضي كما كان، بل الانطلاق من المعرفة التي تركتها الأجيال السابقة لصناعة مستقبل جديد. لأن النجاح الحقيقي لـ«فخار» لن يكون في الحفاظ على آخر خزّاف، بل في الوصول إلى يوم لا يعود فيه هناك «خزّاف أخير»

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o