11:43 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

منذ ولادة لبنان الحديث، بدا وكأن فكرة الوطن سبقت فكرة الدولة...

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

فالدولة تحتاج إلى رواية واحدة جامعة، بينما اللبنانيون حمل كلٌّ منهم روايته الخاصة، وخوفه الخاص، وحليفه الخارجي الخاص، وحتى ذاكرته المختلفة عن الآخر. لذلك بدا الانقسام في لبنان ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل انقسامًا عاموديًا يمرّ داخل التاريخ والجغرافيا والعائلة والطائفة والحزب وحتى داخل الفرد نفسه.

اختلف اللبنانيون على كل شيء تقريبًا:

- على معنى الاستقلال.

- على هوية لبنان: عربي أم غربي التوجّه أم حيادي.

- على المقاومة والسلاح.

- على العلاقة مع سوريا ، إيران ، المملكة  السعودية ، الأمارات ، قطر ، مصر ، وحتى زمن العثمانيين واليوم تركيا ، فرنسا ، بريطانيا ، أميركا .

- حتى على التراث والفن والرياضة والتاريخ المدرسي.

وفي كل مرحلة، كان الخارج يجد له جمهورًا في الداخل، لأن الداخل أصلًا لم يحسم هويته الجامعة.

فصار لبنان أشبه بساحة لقاء مشاريع أكثر منه وطنًا متفقًا عليه بالكامل.

والمؤلم أن الانقسام لم يعد سياسيًا فقط، بل تمدّد:

- ديمغرافيًا،

- جغرافيًا،

- اقتصاديًا،

- نفسيًا أيضًا.

هناك مناطق تشبه دولًا صغيرة داخل الدولة، لكل منها خطابها، وذاكرتها، وخوفها، وأبطالها، وحتى شهداؤها المختلف عليهم. وما يحصل اليوم يجعل كثيرين يشعرون أن التقسيم النفسي سبق أي تقسيم رسمي بسنوات طويلة.

أما السؤال الأخطر فهو:

هل ما زال اللبناني يريد العيش مع اللبناني الآخر فعلًا، أم فقط مضطر لذلك؟

في ملف العفو العام   ظهر الانقسام حتى " العظم" ، كما يُقال.

هناك من يرى العفو ضرورة لطيّ صفحة المظلومية والسجون والتأخير القضائي، وهناك من يراه طعنة للعدالة ودماء الضحايا والمؤسسات العسكرية ولأولياء الدم . وكل فريق ينظر من زاوية جرحه هو ومصلحته وخوفه، لا من زاوية وطن موحّد.  

وفي المقابل، حين تبحث عمّا يتفق عليه اللبنانيون، تكاد تجد مساحة ضيقة جدًا:

- الخوف المشترك عند الأزمات الكبرى.

- الحنين إلى لبنان الذي يتمنّونه لا الذي يعيشونه،

وربما… الاتفاق على اقتسام "قالب الجبنة" حين تحضر المصالح.

لكن رغم هذا السواد، تبقى المشكلة الأعمق أن معظم اللبنانيين يريدون دولة تحميهم، وفي الوقت نفسه يريدون الاحتفاظ بولاءاتهم الصغيرة فوق الدولة. وهنا يولد التناقض القاتل:

لا يمكن بناء وطن نهائي بعقول مؤقتة، ولا دولة ثابتة فوق أرض يعتبرها كل فريق مجرد محطة لمشروع أكبر.

ومع ذلك، فإن أخطر ما قد يصل إليه اللبناني ليس الانقسام نفسه، بل الاعتياد عليه، والتسليم بأن لا إمكانية لشراكة حقيقية. لأن لحظة اقتناع الشعوب بأن العيش المشترك مستحيل، يبدأ العدّ العكسي لأي وطن، مهما صغر أو كبر.

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o